كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 8)
• ثم أقول: عندنا في هذا الحديث رواية خمسة اختلفوا فيه على همام:
أحدهم: ثقة ثبت، حافظ متقن، وهو: عفان بن مسلم، فميَّز حديث ابن جحادة من حديث شقيق: سندًا ومتنًا، وحفظ أسماء رواته وضبطهم، وجاء به على الصواب، وروايته هي العمدة عندنا، وهي التي اعتمدها مسلم، وأخرجها في صحيحه.
ورواية ثقة ثبت، وهو حفص بن عمر الحوضي تابع عفان بن مسلم، إلا أنه أسقط علقمة بن وائل من حديث ابن جحادة، وميز حديث شقيق من حديث ابن جحادة.
ورواية ثقة ثبت، وهو حبان بن هلال، جاء بحديث همام عن شقيق على وجهه، مثل رواية عفان والحوضي، ولم أقف على روايته لحديث همام عن ابن جحادة.
ورواية ثقةٍ وهم في روايته وشك فيها، ولم يضبطها، وهو: حجاج بن منهال، أو كان الوهم فيها من شيخه همام لما حدثه به من حفظه فوهم.
لكن اتفق أربعتهم [وهم ثقات حفاظ] على قولهم في شيخ شقيق أبي ليث: "عاصم بن كليب".
وخالفهم: رجل متروك، ذهب حديثه، وترك أبو زرعة حديثه، وأنكر عليه ابن المديني حديثًا، وضعفه جدًّا، وقال ابن معين: "كذاب خبيث"، وهو: العباس بن الفضل بن العباس العبدي الأزرق البصري [التهذيب (٢/ ٢٩٣)، تاريخ الإسلام (١٦/ ٢١٦)، سؤالات البرذعي (٢/ ٧٠٢)، علل الدارقطني (١٢/ ٥٠/ ٢٤٠١)، تاريخ بغداد (١٢/ ١٣٤)]، فقال في روايته لحديث شقيق: "عن عاصم بن شنتم"، أو: ابن شييم، ولا يصح عنه، وقد قال بعضهم: إن عاصم بن كليب، يقال لجده في قولٍ: شتير، فيحتمل أن يكون نُسب عاصم إلى جده، ثم تصحف عليه شتير إلى شنتم، وهو محتمل، والله أعلم.
فكيف نُعرض عن الرواية المحفوظة، التي اتفق عليها أربعة من الثقات المشاهير، ثم نذهب إلى رواية هذا المتروك الواهي، فنثبتها، ونبني عليها أحكامًا، ونثبت بها الصحبة لمن لا يُعرف له ذِكرٌ إلا في رواية ذاك الواهي، ولا ذكر له في أمهات كتب الرجال، مثل: التاريخ الكبير للبخاري، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، والثقات أو المجروحين لابن حبان، ولا في كتب التواريخ، أو السؤالات، أو العلل، أو الضعفاء، لأحد من الأئمة المتقدمين، فهذه الرواية ما هي إلا محض خطأ حادث، ووهم من هذا الراوي؛ على فرض الاعتبار بروايته، وإلا فمثله لا يُعتبر به ولا كرامة، إذ لا حقيقة ولا وجود لصحابي يقال له: شنتم، أو: شتيم، أو شييم، إنما هي أباطيل، كان ينبغي على العالم اطراحها لأول وهلة، حتى لا يأتي بعد ذلك من يحشو بها المصنفات، فيُذكر مثل هذا في أسماء الصحابة، فللَّه درُّ الحفاظ الأوائل، الذين مزقوا صحف الكذابين والمتروكين، وتركوا التحديث بها، بل وتركوا التحديث بأوهام الرواة وأخطائهم، حتى لا يختلط على الناس حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بأوهام الرواة وأخطائهم، بل وكذبهم، والله المستعان [انظر: ترجمة شقيق من التهذيب (٢/ ١٧٩)].