كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود (اسم الجزء: 16)
قلت: وهذا حديث جيد.
فإن قيل: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه؟ فيقال: لكن حديثه عنه صحيح، كما سبق تقريره قبل ذلك مرارًا، راجع مثلًا: الأحاديث السابقة برقم (٧٥٤ و ٨٧٧ و ١٢٦٧).
قال الترمذي: "حديث عبد الله: ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد اللّه".
وقال النسائي في حديثٍ يرويه أبو عبيدة عن أبيه: "أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، والحديث جيد".
وقال ابن رجب في شرح العلل (١/ ٥٤٤): "قال ابن المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت.
قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني: في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر".
وقال في الفتح (٥/ ١٨٧): "وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه؛ إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره" [وانظر أيضًا: الفتح (٥/ ٦٠) و (٦/ ١٤)].
وقال الدارقطني في السنن (٣/ ١٧٢ و ١٧٣) في حديث لأبي عبيدة عن أبيه: "وهذا إسناد حسن، ورواته ثقات"، ثم رواه من حديث خشف بن مالك عن ابن مسعود، ثم قال: "هذا حديث ضعيف، غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، أحدها: أنه مخالف لما رواه أبو عبيدة بن عبد اللّه بن مسعود عن أبيه، بالسند الصحيح عنه الذي لا مطعن فيه، ولا تأويل عليه، وأبو عبيدة أعلم بحديث أبيه، وبمذهبه وفتياه من خشف بن مالك ونظرائه، ... ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلقٍّ لآثاره من أكابر أصحاب أبيه، ... ، ولم يكن في أصحاب عبد اللّه من يُتَّهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه" [مجموع الفتاوى (٦/ ٤٠٤)].
فتحصل من مجموع هذه النقول وغيرها: احتجاج الأئمة بحديث أبي عبيدة عن أبيه، مع تصريحهم بأنه لم يسمع منه، وذلك لكونه أخذ هذه الأحاديث عن كبار أصحاب ابن مسعود، وأهل بيته، وليس فيهم مجروح، وأنه لم يرو فيها منكرًا.
ولهذا الحديث ما يشهد له، كما تقدم بيانه، ويقال فيه: بأن ابن مسعود لم يعين لنا الليلة، وكذلك فإنا لا نعرف السنة التي وقعت فيها بحيث يمكننا معرفة ما إذا كان شروق القمر قبيل طلوعٍ الفجر موافقًا لأي ليلة من ليالي رمضان على ما وصف ابن مسعود، وهل كان فعلًا موافقًا لليلة سبع وعشرين في هذه السنة بعينها، أم لا؛ واللّه أعلم.