فلا يلزمه القبض، وله أخذ رأس ماله، وهل يعوض بدفع الضرر عنه صلحا؟ الظاهر لا مانع؛ لأنه غير مشروط أول العقد كشرط جزائي، فلو شرط كان ربا؛ لأنه دين ولا يصح أن يشترط زيادة عليه عند التأخير، وهو ما نزل فيه النص في التحريم.
ومع عدم اشتراط الجزاء في تأخير البضاعة المسلم فيها يجوز عند وقوع الضرر للتأخير الفاحش أن يقضى بينهم بالعدل وفق قاعدة (لا ضرر ولا ضرار).
والبيع والشراء في البورصة من الوسيط للمشتري: إن كان بالمواصفات فهو سلم، ولا يشترط فيه أن يكون مقبوضا للوسيط، ويشترط له أجل سريع كساعة أو يوم أو أجل آجل، أما إن باع سلعة بعينها بالأوصاف وهو يملكها ولم يقبضها فإنه كذلك يجوز، وحديث «فلا يبعه حتى يقبضه» مختلف في صحته وقد تقدم، وإن صَحَّ حُمِلَ على ما يكون عدم قبضه دخولا في بيع القمار؛ لغلبة عدم تمكن قبضه، أما إن قطع بالقبض كما يجري بين التجار وكما هو الحال في المعاملات في الأسواق المالية المعاصرة؛ فإنه لا مانع منه.
لأن مقصود الشرع حفظ أموال وحقوق الناس ودفع الخصومات وقد تحقق مقصوده بالضوابط الدقيقة في اللوائح والقوانين المنظمة للعمليات التجارية المعاصرة، وأما حديث «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» فهو ضعيف معل (¬1)،
وهو كحديث «الدين بالدين
¬_________
(¬1) - حديث «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» ضعيف كما سترى، وقد أخرجه أبو داود برقم 3470 عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره». قلت: عطية بن سعد هو العوفي لا يحتج به، وأخرجه ابن ماجة برقم 2283، وأخرج له طريقا أخرى عن عطية تبين اضطرابه، فهذه علة أخرى. وقال البيهقي بعد إخراجه برقم 11484: الاعتماد على حديث النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، فإن عطية العوفي لا يحتج به. وقال المناوي في فيض القدير (6/ 80): ضعيف وأعله أبو حاتم والبيهقي وعبدالحق وابن القطان بالضعف والاضطراب. قلت: وهو ما قلناه، ولله الحمد. ثم نقل أن الترمذي حسنه في العلل الكبير ونقل إقرار الحافظ له. قلت: وليس له شاهد ولا متابع حتى يحسن. بل وفيه علة ثالثة وهي الوقف على ابن عباس كما قال أبو حاتم في العلل برقم 1158. وضعفه الذهبي في تحقيق التنقيح بعطية (2/ 105). وسبقه ابن عبدالهادي. وضعفه كذلك ابن الملقن في خلاصة البدر المنير (2/ 71). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (29/ 519): في إسناده نظر. وقال في صـ 517: الحديث ضعيف. وأعله المزي في تحفة الأشراف بالاختلاف في سنده. وضعفه الشوكاني في الدراري المضية (2/ 269). وتبعه صديق حسن في الروضة الندية (2/ 125). وضعفه العلامة رشيد رضا -مجلة البحوث الإسلامية (48/ 45)، وقال: وإذ كان هذا الحديث غير صحيح ولا حسن فلا =