كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 4)

قال نعم- هذا لفظ حديث أبي هريرة الثابت في "الصحيح" (¬1)
وفي حديث ابن عباس الثابت في الصحيح (¬2) أيضًا بلفظ: "قد فعلت" مكان: "قال: نعم" في هذه المواضع، ولا يخفاك أن الحرج الذي رفعه الله في الآية الأولى ونسخه وغفره لأمته، هو التسوية بين إبداء ما في النفس أو إخفائه، ولفظ الآية يقتضي العموم، لأن قوله: {أو تخفوه} الضمير يرفع إلى قوله: {ما في أنفسكم} ولفظ "ما" من صيغ العموم -كما قدمنا- لأنها الموصولة، ثم رفع الله عنهم هذا التكليف، ولم يحملهم ما لا طاقة لهم به. ولفظ: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} يقتضي العموم؛ لأن "ما" في: {ما لا طاقة لنا به} هي الموصولة أو الموصوفة أي: لا تحملنا الشيء الذي لا طاقة لنا به أو شيئًا لا طاقة لنا به، فقال: نعم أو قال: قد فعلت.
وهكذا يصح أن تكون "ما" في "ما حدثت به أنفسها" موصوفة، كما يصح أن تكون موصولة، أي: الشيء الذي حدثت به أنفسها أو شيئًا حدثت به أنفسها. وهكذا في: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه} كما صح أن تكون "ما" موصولة يصح أن تكون موصوفة؛ أي: إن تبدوا الشيء الذي في أنفسكم أو شيئًا في أنفسكم أو تخفوا الشيء الذي في أنفسكم أو شيئًا في أنفسكم (¬3).
فتقرر لك بهذا أن الشيء الذي تجاوز الله لهذه الأمة من حديث النفس هو كل ما
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (125) وأحمد (2/ 412). والبيهقي في "الشعب" رقم (327) وهو حديث صحيح.
(¬2) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (126) والنسائي في تفسيره (1/ 293 رقم 79). والترمذي رقم (2992) وقال: هذا حديث حسن. وهو كما قال.
(¬3) انظر: إعراب القرآن الكريم وبيانه (1/ 446 - 448). محيي الدين الدرويش.

الصفحة 1746