كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 4)
وهكذا إذا تدبر الإنسان المعاصي الشرعية التي ثبت النهي عنها فإنه يجدها لا محالة ناشئة عن حب الدنيا؛ إذ المعاصي بأسرها لا تكون إلا لمحبة المال، أو لمحبة الشرف، أو لقضاء شهوة جسمانية أو نفسانية، والمحبة لكل هذه أو لبعضها هي من محبة الدنيا بلا شك ولا شبهة.
ومن أعظم ما يشهد لمعنى حديث: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (¬1) الأحاديث الواردة في ذم حب الشرف والمال كحديث: " ما ذئبان ضاريان " (¬2)، وهو حديث
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه.
(¬2) ورد من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأسامة بن زيد وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين.
- أما حديث ابن عمر فقد أخرجه البزار (4/ 234 رقم 3608 - كشف) عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما ذئبان ضاريان في حظيرة يأكلان ويفسدان بأضر فيها من حب الشرف وحب المال في دين المرء المسلم ".
قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، وأورده الهيثمي في " المجمع " (10/ 250)، وقال: " رواه البزار، وفيه قطبة بن العلاء وقد وثق، وبقية رجاله ثقات ".
وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " (7/ 89)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (2/ 26 رقم 812)، والعقيلي في " الضعفاء " (3/ 487)، وابن حجر في " اللسان " (4/ 473 - 474).
- وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الطبراني في " الأوسط " (1/ 470 رقم 855)، وفي " الكبير " (10/ 388 رقم 10779) عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما ذئبان ضاريان باتا في غنم بأفسد لها من حب ابن آدم الشرف والمال ".
وأورده الهيثمي في " المجمع " (10/ 250)، وقال: " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عيسى بن ميمون، وهو ضعيف، وقد وثق "، ولم ينسبه الهيثمي للطبراني في " الكبير " كما هو شرطه.
وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " (3/ 220)، وقال: " هذا حديث غريب من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس، لم نكتبه إلا من هذا الوجه ".
- وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه أبو يعلى في " المسند " (11/ 331 رقم 609/ 6449) عنه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما ذئبان ضاريان جائعان في غنم افترقت، أحدهما في أولها، والآخر في آخرها، بأسرع فسادا من امرئ في دينه يحب شرف الدنيا ومالها ".
وأورده الهيثمي في " المجمع " (10/ 250)، وقال: " رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الملك بن زنجويه، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وقد وثقا ".
وأورده ابن حجر في " المطالب العالية " (3/ 207 رقم 3372)، وعزاه إلى أبي يعلى، وقال البوصيري: " رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد ".
وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " (7/ 89)، والقضاعي في " مسند الشهاب " (2/ 25 رقم 811) و (2/ 26 رقم 813)، والطبراني في " الأوسط " (1/ 432 رقم 776) من طريق آخر.
- وأما حديث أسامة بن زيد فقد أخرجه الطبراني في " الصغير " (2/ 149 رقم 943 - الروض الداني)، وفي " الأوسط " والضياء في " المختارة "، كما في " تخريج أحاديث إحياء علوم الدين " (4/ 1886) عنه بلفظ: " ما ذئبان ضاريان باتا في حظيرة فيها غنم يفترسان ويأكلان بأسرع فسادا من طلب المال والشرف في دين المسلم ".
- وأما حديث أبي سعيد الخدري فقد أخرجه الطبراني في " الأوسط " كما في " المجمع " (10/ 250) عنه بلفظ: " ما ذئبان ضاريان في زريبة غنم فيها فسادا من طلب المال والشرف في دين المسلم "، وفيه خالد بن يزيد العمري، وهو كذاب.
والخلاصة أن الحديث صحيح بمجموع طرقه.