كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 4)
مع أنه يصدق على الأشياء المظروفة أنها دنيا كما تقدم، فمعنى قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " حب الدنيا رأس كل خطيئة " (¬1) أن حب هذه الأشياء التي هي دانية إلينا رأس كل خطيئة؛ إذ لا يوجد ذنب من الذنوب ولا خطيئة من الخطايا إلا وهي راجعة إلى حب هذه الأشياء [5 ب].
فإن من جملة الدنيا الشهوات الجسمية والنفسية، فإنها بالنسبة إلى شهوات الآخرة دنيا، فكل مستلذ للحواس والأعضاء فهو دنيا لقربه منا وبعد مستلذات الحواس والأعضاء الكائنة في الآخرة عنا.
ومن جملة الدنيا الأفعال والأقوال الكائنة في هذه الدار، فإنها بالنسبة إلى الأفعال والأقوال الكائنة في الآخرة دنيا، وليس من حق الدنيا أن تكون جميعها شرا محضا، بل فيها ما هو خير كالأفعال والأقوال التي هي طاعات وعبادات، وإليها يتوجه ما ورد في مدح الدنيا كحديث: " لا تسبوا الدنيا، فإنها مطية الآخرة " (¬2)، وفي لفظ: " مزرعة الآخرة " (¬3) [10]، وحديث ....................
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه، وهو حديث موضوع.
(¬2) أخرجه ابن عدي في " الكامل " (1/ 304) من طريق إسماعيل بن أبان الغنوي: ثنا السري بن إسماعيل، عن عامر، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تسبوا الدنيا، فنعم مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر ".
وفيه إسماعيل بن أبان الغنوي الكوفي، قال عنه يحيى بن معين: كذاب، وقال عنه ابن عدي: عامتها - أي: رواياته - مما لا يتابع عليه إما إسنادا وإما متنا، فهو حديث ضعيف جدا.
وأورده صاحب " الكنز " (3/ 239 رقم 6343)، وعزاه للديلمي وابن النجار عن ابن مسعود، ولفظه: " لا تسبوا الدنيا، فلنعم المطية للمؤمن، عليها يبلغ الخير، وعليها ينجو من الشر ".
وأورده الديلمي في " الفردوس " (5/ 10 رقم 7288) من حديث ابن مسعود، ولفظه: " لا تسبوا الدنيا، فنعم مطية المؤمن هي، عليها تبلغه الجنة، وبها ينجو من النار ".
(¬3) قال العجلوني في " كشف الخفاء " رقم (1320): لم أقف عليه مع إيراد الغزالي له في " الإحياء "، وفي " الفردوس " رقم (3102) بلا سند عن ابن عمر مرفوعا: " الدنيا قنطرة الآخرة، فاعبروها ولا تعمروها ".
والعقيلي في " الضعفاء " (3/ 89)، والحاكم في " المستدرك " (4/ 312)، وصححه الحاكم، لكن تعقبه الذهبي بأنه منكر، قال: وعبد الجبار لا يعرف.
وانظر: " الأسرار المرفوعة " (205)، و" المقاصد " (497)، " الشذرة في الأحاديث المشتهرة " (1/ 298 رقم 437).