كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 4)

بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أن حديث: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " (¬1) قد ظن بعض أهل العلم أنه لا يصح الاستدلال به على رفع الإثم عن المجتهد المخطئ، وثبوت الأجر له، زاعما أن المراد بالاجتهاد هنا هو بذل الجهد في البحث عن الخصومة الواردة عليه كالبحث مثلا عن عدالة الشهود، وعن حال المدعي والمدعى عليه، ونحو ذلك مما يتعلق بالخصومة، وروي نحو هذا عن العلامة المقبلي (¬2).
وأقول: قد تقرر في علم المعاني والبيان (¬3) - وهو العلم الباحث عن دقائق العربية وأسرارها - أن حذف المتعلق مشعر بالتعميم، وهنا قد حذف المتعلق، فيكون معناه البحث عن كل ما يتعلق بالخصومة من الأمور التي ينبغي البحث عنها، وإن أهم هذه الأمور وأولاها بالبحث هو حكم الله (¬4) في تلك الحادثة التي وردت فيها الخصومة؛ لأن الحاكم
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7352)، ومسلم رقم (1716)، وأحمد (4/ 198، 204)، والدارقطني (4/ 211)، والبيهقي (10/ 118 - 119) من حديث عمرو بن العاص.
وأخرجه مسلم في صحيحه رقم (1716)، وأبو داود رقم (3574)، والدارقطني (4/ 210 - 211)، والبغوي رقم (2509) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي به.
وأخرجه البخاري في صحيحه رقم (7353)، ومسلم رقم (1716)، وأبو داود رقم (3574)، وابن ماجه رقم (2314)، والدارقطني (4/ 210 - 211، 221)، والبيهقي (10/ 119)، والبغوي رقم (2509)، وأحمد (4/ 198، 204، 205)، والشافعي في ترتيب المسند (2/ 176 - 177) من طريق يزيد بن الهاد عن أبي بكر بن محمد بن حزم عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي رقم (1326)، والنسائي (8/ 223 - 224)، والبيهقي (10/ 119) من طرق عن عبد الرزاق به.
(¬2) في " العلم الشامخ " (ص 488 - 489).
(¬3) انظر: " معترك الأقران في إعجاز القرآن " (1/ 240 - 244).
(¬4) قال ابن القيم في " إعلام الموقعين " (1/ 87 - 88): ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا.
ثانيهما: فهو الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله.
وقال عمر بن الخطاب في رسالة القضاء إلى أبي موسى الأشعري:. . . " ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر عند الخصومة أو الخصوم، فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر. . . ".

الصفحة 1857