كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 4)
منه (¬1)، أو ما يلازمها نحو يجب الوفاء به، أو يوجب الحنث فما المخصص، فالأدلة الصحيحة على أن كل عهد يجب الوفاء به أو التكفير عنه، وذلك كما يكون إتيانه عملا (¬2) من أعمال البر، وهو معنى: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} (¬3) في وجه، وعلى فرض صحة هذا الحديث فهو لا يقوى لمعارضة غيره، ثم هل المراد بالظالم الحالف بمعنى أن حلفه وفجوره من جملة الظلم أو المراد المحلوف له؟ قال الله سبحانه: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} (¬4) والركون الميل
¬_________
(¬1) قاله الزركشي.
(¬2) في المخطوط (غير)، ولعل الصواب (عملا).
(¬3) [البقرة: 224]، قال ابن كثير في تفسيره (1/ 600): أي لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها.
(¬4) [هود: 113]، قال ابن كثير في تفسيره (4/ 354) عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا، وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم.
قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " (9/ 108): قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: (ولا تركنوا): الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، قال قتادة: معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم. . . وقال ابن زيد: الركون هنا الادهان، وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم.
الثانية: قرأ الجمهور: (ولا تركنوا) يفتح الكاف، قال أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز، وقرأ طلحة بن مصدف وغيرهما: (تركنوا) بضم الكاف، قال الفراء: وهي لغة تميم.
الثالثة: قوله تعالى (إلى الذين ظلموا): قيل: أهل الشرك، وقيل: عامة فيهم وفي العصاة. . .
وهذا هو الصحيح في معنى الآية، وأنها دالة على هجران الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم، فإن صحبتهم كفر أو معصية؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة. . .
الرابع: قوله تعالى: (فتمسكم النار) أي: تحرقكم بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم وموافقتهم في أمورهم.