كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)
بالحنيفية السمحة السهلة" (¬1)، وقال الله عز وجل: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (¬2) وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (¬3) وها أنا سأضرب لك مثلا وهو أنك لو رأيت جماعة من الناس قد جمعوا في مكان من الأرض عددهم اثنان وسبعون رجلا وقال لك قائل ادخل مع هؤلاء فإن واحدا منهم سيملك ما طلعت عليه الشمس وستضرب أعناق الباقين أجمعين وربما تفوز أنت من بينهم بالسلامة فتعطى تلك المملكة فهل ترضى أن تكون واحدا منهم داخلا بينهم والحال هكذا؟ أو لا تدري من هذا الواحد الذي سيفوز بالسلامة ولا سيما إذا رأيت كل واحد منهم يدعي لنفسه أنه الفائز بالسلامة والظافر بالغنيمة لمجرد الأمنية والدعوى العاطلة عن البرهان [32].
فإن قلت: إن قوله في هذا الحديث في الفرقة الناجية وهى "الجماعة" وقوله في
¬_________
(¬1) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (7/ 209) من حديث جابر مرفوعا بلفظ " بعثت بالحنيفية السمحة أو السهلة ومن خالف سنتي فليس مني " الشطر الأول منه حسن لغيره أما الشطر الثاني فهو صحيح من طرق أخرى.
أما شواهد الشطر الأول من حديث أبي قلابة الجرمي مرسلا بلفظ: " يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية. مرتين أو ثلاثة، وأن أحب الدين عند الله الحنيفية السمحة " أخرجه ابن سعد في الطبقات (3/ 395).
وله شاهد آخر من رواية عبد العزيز بن مروان بن الحكم مرسلا أخرجه أحمد في الزهد (ص 289، 310) بسند صحيح.
انظر: تمام المنة (ص 44 - 45) وغاية المرام (ص20 - 21) والصحيحة رقم (881).
وخلاصة القول أن الشطر الأول حسن بشواهده.
ومن شواهد الشطر الثاني:
ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (5063) من حديث أنس بن مالك مطول، وفيه: " فمن رغب عن سنتي فليس مني ".
(¬2) [الحج 78].
(¬3) أخرجه مسلم في صحيحه رقم (6/ 1732) من حديث أبي موسى.