كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)

بنجاتهم جميعا مع الحكم باختلافهم في الأصول، وبيان ذلك أن الأحكام الشرعية عندي متساوية الأقدام منتسبة إلى الشرع نسبة واحدة، وكون بعضها راجعا إلى الاعتقاد وبعضها راجعا إلى العمل لا يستلزم تفاوتها على وجه يكون الاختلاف في بعضها موجبا لعدم نجاة بعض المختلفين، وفي بعضها لا يوجب ذلك، فاعرف هذا وافهمه.
واعلم أن ما صح عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن المصيب في اجتهاده له أجران وللمخطئ أجر لا يختص بمسائل العمل ولا يخرج عن مسائل الاعتقاد. فما يقوله كثير من الناس من الفرق بين المسائل الأصولية والفروعية، وتصويب المجتهدين في الفروع دون الأصول ليس على ما ينبغي بل الشريعة واحدة وأحكامها متحدة وإن تفاوتت باعتبار قطعية بعضها وظنية الآخر، فالحق عند الله عز وجل واحد متعين يستحق موافقة أجرين ويقال له مصيب [34]، من الصواب ومن الإصابة، ويقال لمخالفه إنه مخطئ كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما ثبت عنه في الصحيحين (¬1) وغيرهما (¬2) من حديث عمرو بن العاص إن اجتهد فأصلب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.
وفي بعض الروايات الخارجة عن الصحيح من غير حديثه أنه إن أصاب فله عشرة (¬3)
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (7352) ومسلم رقم (1716).
(¬2) كأحمد (4/ 198، 204) والدارقطني (4/ 211) والبيهقي (10/ 118 - 119).
(¬3) أخرجه الدارقطني في السنن (4/ 203 رقم 4) بإسناد ضعيف.
عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا قضى القاضي فاجتهد فأصاب كانت له عشرة أجور ... ".
وأخرج الحاكم (4/ 88) عن عبد الله بن عمرو أن رجلين اختصما إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال لعمرو: " اقض بينهما فقال: أقضي بينهما وأنت حاضر يا رسول الله؟! قال: نعم على أنك إن أصبت فلك عشر أجور ... "، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: " فرج ضعفوه ".
قلت: " وفي سنده اضطراب ... " وفي الباب من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ". أخرجه البخاري رقم (7352) ومسلم رقم (1716) وأبو داود رقم (3574) وابن ماجه رقم (2314) والنسائي في " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " (8/ 158) والدارقطني (4/ 210 - 211، 212) والبيهقي (10/ 119) والبغوي رقم (2509) وابن عبد البر في " جامع بيان العلوم " رقم (1664) وأحمد (4/ 198، 204، 205).

الصفحة 210