كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 5)

ويجاب عن هذا التشكيك الفاسد (¬1) بأنا لا نطلب من كل فرد من أفراد العباد أن يبلغ رتبة الاجتهاد بل المطلوب هو أمر دون التقليد وذلك بأن يكون القايمون بهذه المعايش والقاصرون إدراكا وفهما كما كان عليه أمثالهم في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم خير القرون (¬2) ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وقد علم كل عالم أنهم لم يكونوا مقلدين ولا منتسبين إلى فرد من أفراد العلماء بل كان الجاهل يسأل العالم عن
¬_________
(¬1) قال ابن القيم في إعلام الموقعين (2/ 256 - 257): فجوابه من وجوه:
أحدهما: أن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفته أنه لم يكلفنا بالتقليد، فلو كلفنا به لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا، لأنا لم نكن ندري من نقد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئتين، ولا يدري عددهم في الحقيقة إلا الله.
فلو كلفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العنت والفساد، ولكلفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء وإسقاطه معا وإن كلفنا بتلقيد كل عالم. وإن كلفنا بتلقيد الأعلم فمعرفة ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شريط التقليد. ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ واختيارنا وشهواتنا، وهو عين المحال فلا بد أن يكون ذلك راجعا إلى من أمر الله باتباع قوله وتلقي الدين من بين شفتيه وذلك محمد- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-.
الثاني: أن بالنظر والاستدلال صلاح الأمور لا ضياعها، وبإهماله وتقليد من يخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها كما الواقع شاهد به.
الثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يصدق الرسول فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وهبره ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمة إلا ما فيه حفظ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها وبإهمال ذلك تضييع مصالحها وتفسد أمورها.
الرابع: أن الواجب على كل عبد أن يعرف ما يخصه من الأحكام ولا يجب عليه أن يعرف مالا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ولا تعطيل لمعاشهم، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم قائمين بمصالحهم ومعاشهم وعمارة حروثهم.
الخامس: أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول الله- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- دون مقدرات الأذان ومسائل الخرص والألغاز، وذلك بحمد الله تعالى أيسر شيء على النفوس تحصيله وحفظه وفهمه.
(¬2) تقدم تخريجه مرارًا ......

الصفحة 2188