كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 5)

بسم الله الرحمن الرحيم.
حمدًا لمن أنعم علينا بالإثابة في التروك والأفعال وشكرًا لمن لم يجعل شيئًا من الحركات والسكنات في جانب الإلغاء والإهمال، والصلاة والسلام على من جعل الإمساك عن الشر صدقة (¬1)، وعلى آله وصحبه الناقلين إلينا من الحديث أوثقه وأصدقه، وبعد:
فإنه لما كثر من جماعة من طلبة علم الأصول استبعاد ما ذهب إليه أبو القاسم البلخي وهو الكعبي (¬2) من أن المباح (¬3) ...................
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1445)، ومسلم رقم (1008) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
(¬2) هو عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي أبو القاسم وهو رأس طائفة من المعتزلة تسمى الكعبية له أراء خاصة في علم الكلام والأصول وله مؤلفات في علم الكلام كانت وفاته سنة 319 هـ.
انظر: «شذرات الذهب» (2/ 281) «البداية والنهاية» (11/ 284).
(¬3) عزاه إليه: الزركشي في البحر (1/ 279) وصاحب الكوكب المنير (1/ 424).
- المباح: لغة: المعلن، المأذون.
واسم المفعول مشتق من الإباحة، ويطلق على الإظهار والإعلان: «باح بسره» أي أظهره وأعلنه.
ويطلق- أيضًا- ويراد به: الإطلاق والإذن. يقال: أباح الأكل من بستانه أي: أذن بالأكل منه.
«لسان العرب» (3/ 234) «تاج العروس» (2/ 126 - 127).
- المباح في الاصطلاح: فعل مأذون فيه من الشارع خلا من مدح وذم مخرج الواجب والمندوب والحرام والمكروه؛ لأن كلاً من الأربعة لا يخلو من مدح أو ذم، إما في العقل، وإما في الترك.
وقال الغزالي في المستصفى (1/ 66): إن المباح هو الذي ورد الإذن من الله تعالى بفعله وتركه غير مقرون بذم فاعله أو مدحه، ولا يذم تاركه.
وانظر الكوكب المنير (1/ 422) تيسير التحرير (2/ 225).
صيغ الإباحة:
الصيغة الأولى: «لا حرج» قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور: 61].
الصيغة الثانية: «لا جناح» ومثاله قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236].
الصيغة الثالثة: «أحل» قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187].
الصيغة الرابعة: صيغة الأمر التي اقترنت بها قرينة صرفتها من الوجوب والندب إلى الإباحة قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].
فهنا أمر الله بالانتشار في الأرض وهذا الأمر للإباحة، والقرينة التي صرفت الأمر عن الوجوب إلى الإباحة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله سبحانه: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] حيث كان الانتشار لطلب الرزق ممنوعًا قبل الصلاة ثم أباحه بعد الصلاة.
انظر: «البحر المحيط» (1/ 277).
- الإباحة حكم شرعي: خلافًا لبعض المعتزلة، الخلاف لفظي يلتفت إلى تفسير المباح إن عرفه بنفي الحرج، وهو اصطلاح الأقدمين، فنفي الحرج ثابت قبل الشرع، فلا يكون من الشرع، ومن فسره بالإعلام بنفي الحرج فالإعلام به إنما يعلم من الشرع فيكون شرعيًّا.
«البحر المحيط» (1/ 177 - 178).
«الكوكب المنير» (1/ 422 - 423).

الصفحة 2397