كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)

وللناس في معنى هذا قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال: كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا، وإنا نتوسلك إليك بعم نبينا.
وهو في صحيح البخاري (¬1) وغيره، فقد ذكر عمر -رضي الله عنه- أنهم كانوا يتوسلون بالنبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-[4] في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه، فيكون هو وسيلتهم إلى الله. والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كان مثل هذا شافعا وداعيا لهم.
والقول الثاني: أن التوسل به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يكون في حياته وبعد موته (¬2)، وفي حضرته ومغيبه. ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في حياته، وثبت التوسل بغيره من الأحياء بعد موته بإجماع الصحابة سكوتيا لعدم إنكار أحد منهم على عمر -رضي الله عنه- في توسله بالعباس -رضي الله عنه-.
وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- كما زعمه الشيخ عز (¬3) بن عبد السلام لأمرين:
¬_________
(¬1) في صحيحه رقم (1010) وطرفه (3710).
(¬2) قال ابن تيمية في قاعدة التوسل والوسيلة (ص 152): فلو كان التوسل به حيا وميتا سواء، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول، لم يعدلوا عن التوسل به -وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه، وأقربهم إليه وسيلة- إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله. وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدعو له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة أو بعضهم مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن هذا إلى هذا- مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله، وبحقوق الله ورسوله، وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره. وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق ممكن - دليل على أن المشروع ما سألوه دون ما تركوه.
(¬3) ذكره ابن تيمية في " الفتاوى " (1/ 347).

الصفحة 314