كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)

الأول: ما عرفناك به من إجماع الصحابة.
والثاني: أن التوسل إلى الله بأهل الفضل (¬1) والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة، ومزاياهم الفاضلة، إذ لا يكون الفاضل فاضلا إلا بأعماله. فإذا قال القائل: اللهم إني أتوسل إليك بالعا لم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم. وقد ثبت في الصحيحين (¬2) وغيرهما أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله، فارتفعت الصخرة فلو كان التوسل بالأعمال الفاضله غير جائز، أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام، ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة من الله لهم، ولا سكت النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم.
وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل إلى الله بالأنبياء [5] والصلحاء من نحو قوله تعالى:} ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى {(¬3)، ونحو قوله تعالى:
¬_________
(¬1) والتوسل بأهل الفضل، والرجل الصالح مقيد بأمور منها:
أولاً: أن يكون المتوسل به حيا حاضرا وهو ما يوضحه توسل عمر بالعباس. قال ابن تيمية في قاعدة جليلة (ص80 - 81): وأما التوسل بدعائه وشفاعته -كما قال عمر- فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس ولو كان التوسل بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان والطاعة له فإنه مشروع دائما.
ثانيًا: أن المتوسل لا بد أن يقوم بعمل ما، وهذا ما يؤكد أن التوسل ليس بذاته وإنما هو بدعائه وتضرعه إلى الله تعالى وهو ما يوضحه قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عندما توسل الأعرابي بدعائه: " اللهم أغثنا اللهم أغثنا" تقدم تخريجه رافعا يديه.
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2272) ومسلم في صحيحه رقم (100/ 2743). من حديث ابن عمر.
(¬3) [الزمر:3].

الصفحة 315