كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)
وصف الله -سبحانه-:} وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون {(¬1).
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين (¬2) عنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عند موته أنه كان يقول: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر ما صنعوا. وأخرج مسلم (¬3) عن جندب بن عبد الله أنه سمع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك ". وأخرج أحمد (¬4) بسند جيد، وأبو حاتم في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعا: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد ".
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيها التصريح بلعن من اتخذ القبور مساجد، مع أنه لا يعبد إلا الله، وذلك لقطع ذريعة التشريك، ودفع وسيلة التعظيم.
وورد ما يدل على أن عبادة الله عند القبور بمنزلة اتخاذها أوثان تعبد. أخرج مالك في الموطأ (¬5) أن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا
¬_________
(¬1) [الزمر:45].
(¬2) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (435، 436) ومسلم في صحيحه رقم (22/ 531).
(¬3) في صحيحه رقم (23/ 532).
(¬4) في المسند (1/ 405؛ 435). وأخرجه ابن خزيمة رقم (789) والطبراني في الكبير رقم (10413) والبزار رقم (3420 - كشف) وعلقه البخاري في صحيحه رقم (7067) وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " (2/ 27) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وإسناده حسن وأورده أيضًا (8/ 13) وقال رواه البزار بإسنادين في أحدهما عاصم بن بهدلة. وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح. وهو حديث حسن.
(¬5) (1/ 172 رقم 85) مرسلا. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 240 - 241) من طريق عطاء بن يسار مرسلا بسند صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في " المصنف " (1/ 406 رقم 1587) عن زيد بن أسلم مرسلا. وأخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (3/ 345) عن زيد بن أسلم مرسلا بسند صحيح.
وأخرجه أحمد موصولا (2/ 246) والحميدي (2/ 445 رقم 1025) وأبو نعيم في " الحلية " (6/ 283) و (7/ 317) عن أبي هريرة بسند حسن بلفظ -المصنف-.
أخرجه عبد الرزاق في " المصنف" (3/ 577 رقم 6726) وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 345) عن ابن عجلان، عن سهل، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب أنه قال: ورأى رجلا وقف على البيت الذي فيه قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو له ويصلي عليه فقال حسن للرجل: لا تفعل فإن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " لا تتخذوا بيتي عيدا ... " وهو مرسل، وسهل ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (4/ 249) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (2/ 367) وأبو داود رقم (2042) مرفوعًا " لا تتخذوا قبري عيدا ... " وهو حديث حسن.
وله شاهد آخر أخرجه إسماعيل الجهضمي في " فضل الصلاة على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رقم (20) وأبو يعلى في " المسند " (1/ 361 رقم 209/ 469) والحديث بهذه الطرق صحيح والله أعلم.