كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)
الغيب (¬1) وغير ذلك مما لا يحصر، حتى إن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قال لعمر لما خرج معتمرا: لا تنسنا يا أخي من دعائك (¬2).
فمن جاء إلى رجل صالح، واستمد منه أن يدعو له، فهذا ليس من ذلك الذي يفعله المعتقدون في الأموات، بل هو سنة حسنة، وشريعة ثابتة، وهكذا طلب الشفاعة ممن جاءت الشريعة المطهرة بأنه من أهلها كالأنبياء، ولهذا يقول الله لرسوله يوم القيامة: "سل تعطه، واشفع تشفع" (¬3) وذلك هو المقام المحمود الذي وعده الله به في كتابه العزيز.
والحاصل [29] أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها. ومن ذلك الدعاء فإنه يجوز استمداده من كل مسلم، بل يحسن ذلك.
وكذلك الشفاعة من أهلها الذين ورد الشرع بأنهم يشفعون ولكن ينبغي أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، وكذلك شفاعة من يشفع لا تكون إلا بإذن الله، كما ورد بذلك القرآن (¬4) الكريم، فهذا تقييد للمطلق لا ينبغي
¬_________
(¬1) (منها): ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2733) عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول: " دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل ".
(¬2) أخرجه أحمد (1/ 29، 2/ 59) وأبو داود رقم (1498) والترمذي رقم (3562) وقال: حديث حسن صحيح. وابن حبان في المجروحين (2/ 128) وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (387) من حديث عمر. وهو حديث ضعيف.
(¬3) تقدم تخريجه (ص 311).
(¬4) منها قوله تعالى: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه)، [يونس: 3].
وقوله تعالى: (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) [مريم: 87] وقوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا) [طه: 109].