كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 9)
مبرهن عليه حتى يكون تقديره مستندًا إلى ذلك البرهان، بل كل عالم يقدره بحسب استعداده، وقابليته، ونفوذ ذهنه، وثقوب فهمه كما نجده في كتب المجتهدين، ويستفيده [16أ] من أنظار الناظرين. وعلى هذا فلا تثبت حجية حكم الحاكم على الخصمين إلا إذا كان مجمعًا على أهليته؛ إذ المختلف في أهليته ليس بمجمع على حجية قوله، وهذا بحث نفيس ينبغي إمعان النظر في تدبره وعدم المسارعة إلى رده بمجرد الاستبعاد له.
وقلتم: ولكن المفضول في الاجتهاد حكمه صحيح كالفاضل فيه.
وأقول: التسوية بين أحكام الحكام، ولزومها للمحكوم عليه على أي صفة كانت إذا كان الحاكم جامعًا للشروط المعتبرة إنما هو باعتبار ما قد رسخ في الأذهان من القواعد المقررة، كقول أهل الفقه: إنه لا ينقض (¬1) حكم حاكم إلا بدليل علمي ونحو ذلك.
¬_________
(¬1) قال ابن قدامة في " المغني " (14/ 34): وجملة ذلك أن الحاكم إذا رفعت إليه قضية قد قضى بها حاكم سواه، فبان له خطؤه أو بان له خطأ نفسه، نظرت. فإن كان الخطأ لمخالفة نص كتاب أو سنة أو إجماع، نقض حكمه، وبهذا قال الشافعي وزاد: إذا خالف قياسًا جليًا نقضه.
وعن مالك وأبي حنيفة، أنهما قالا: لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع. ثم ناقضا ذلك، فقال مالك: إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه.
وقال أبو حنيفة: إذا حكم ببيع متروك التسمية، أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه. وهذه مسائل خلاف موافقة للسنة.
واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوغ فيه الخلاف، فلم ينقض حكمه فيه. كما لا نص فيه. وحكي عن أبي ثور، وداود، أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه، لأن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أبي موسى: لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت نفسك فيه اليوم، فهديت رشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الإجماع.
وحكي عن مالك أنه وافقهما في قضاء نفسه. قال ابن قدامة: ولنا، على نقضه إذا خالف نصًا أو إجماعًا، أنه قضاء لم يصادف شرطه، فوجب نقضه، كما لو لم يخالف الإجماع، وبيان مخالفته للشرط، أن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص.
انظر " الحاوي الكبير " (20/ 70 - 76).