كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 1)

وأما حديث: "يكشف ربنا عن ساقه" (¬1) فمعناه مثل ما في القرآن من قوله تعالى:} يوم يكشف عن ساق {(¬2) إنما فيه التصريح بفاعل الكشف.
وقد صرح جماعة من (¬3) الأئمة أن الساق هنا عبارة عن شدة الأمر وبلوغه إلى الغاية
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه في السؤال (ص439).
(¬2) [القلم:42].
(¬3) قال ابن تيمية في "مجموع فتاوى " (6/ 394 - 395): إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف قي تفسيرها.
وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت عن ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه أثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا في مثل قوله تعالى:} يوم يكشف عن ساق {فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة وإن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات، للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
واعلم أن ما روي عن ابن عباس وعن غيره من السلف من تفسيره قوله تعالى:} يوم يكشف عن ساق {بالشدة والكرب، ليس من جنس تأويلات المتكلمين المحدثة، لأن ابن عباس وغيره من السلف يثبتون صفة الساق لله تعالى بالحديث الصحيح الذي دل عليها، ففسروها بعيدة عن كونها دالة على صفة من صفات الله تعالى.
وقال ابن القيم في "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" (1/ 252 - 253): "والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين، والإصبع لم يأخذوا من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل، وفيه: "فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدا" ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى:} يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود {مطابق لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة، جلت عظمتها، وتعالى شأنها، أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبه، قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه، فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال: كشفت الشدة عن القوم، لا كشف عنها كما قال الله تعالى:} فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون {[الزخرف:50] وقال:} ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر {[المؤمنون: 75]. فالعذاب والشدة تشتد، ولا تزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة.
ويظهر لك من خلال كلام -ابن تيمية وابن القيم قوة موقف الذين عدوا الآية من آيات الصفات لأمرين:
1 - ): ظهور التطابق بين الآية والحديث.
2 - ): ضعف تفسير الآية بالشدة.
ويقوي هذا القول ما أخرجه الدارمي في "سننه" (2/ 420 - 421 رقم 2803) وابن منده في "كتاب الإيمان" (2/ 773 رقم 811) بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعًا نحو حديث أبي سعيد وفيه: "فيكشف لهم عن ساقه، فيقعون سجودا، وذلك قول الله تعالى:} يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون {، ويبقى كل منافق فلا يستطيع أن يسجد، ثم يقودهم إلى الجنة ".

الصفحة 448