كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 9)

فهو بلا ريب أحد قضاة النار (¬1)؛ لأنه إما أن يصادف حكمه الحق فهو حكم بالحق، ولا يعلم أنه الحق، أو يحكم بالباطل وهو لا يعلم أنه باطل، وكلا الرجلين في النار، كما ورد بذلك النص عن المختار (¬2)، وأما قاضي الجنة فهو الذي يحكم بالحق، ويعلم أنه الحق، ولا شك أن من يعلم بالحق مجتهد لا مقلد.
هذا يعرفه كل عارف، فإن قال المقلد: إنه يعلم أن ما حكم به من قول إمامه حق؛ لأن كل مجتهد مصيب، فنقول له: هل أنت مقلد في هذه المسألة؟ أعني أن كل مجتهد مصيب، أم مجتهد؟ فإن [قال]: كنت مقلدًا في هذه المسألة فقد جعلت ما هو محل النزاع دليلاً لك، وهو مصادرة باطلة؛ فإنك لا تعلم بأنها حق في نفسها فضلاً عن أن تعلم بزيادة على ذلك، وإن كنت مجتهدًا في هذه المسألة فكيف خفي عليك أن المراد بكون كل مجتهد مصيبًا هو من الصواب لا من الإصابة، كما أقر بذلك القائلون بتصويب المجتهدين (¬3)، وحرروه في مؤلفاتهم المعروفة الموجودة بأيدي الناس! وإذا كان
¬_________
(¬1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود رقم (3573) والترمذي رقم (1322) وابن ماجه رقم (2315) والبيهقي في " السنن الكبرى " (10/ 116 - 117) من طرق عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: " القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحق فعلم ذلك فذاك في النار، وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة " وهو حديث صحيح.
(¬2) انظر التعليقة السابقة.
(¬3) قال الزركشي في " البحر المحيط " (6/ 244 - 245): قال ابن فورك في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحق في واحد وهو المطلوب، وعليه دليل منصوب، فمن وضع النظر موضعه أصاب، ومن قصر عنه وفقد الصواب فهو مخطئ ولا إثم عليه، ولا نقول إنه معذور؛ لأن المعذور من يسقط عنه التكليف لعذر في تركه كالعاجز عن القيام في الصلاة، وهو عندنا قد كلف إصابة المعين لكنه خفف أمر خطابه وأجر على قصده الصواب وحكمه نافذ على الظاهر.
وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه وعليه نص في الرسالة (ص496 - 497).
الثاني: أن الحق واحد إلا أن المجتهدين لم يكلفوا بإصابته، وكلهم مصيبون لما كلفوا من الاجتهاد وإن كان بعضهم مخطئًا.
الثالث: أنهم كلفوا الرد إلى الأشبه على طريق الظن.
وذهب قوم إلى أن الحق واحد والمخالف له مخطئ آثم، ويختلف خطؤه على قدر ما يتعلق به الحكم، فقد يكون كبيرة، وقد يكون صغيرة، ومن القائلين بهذا القول الأصم والمريسي وابن علية.
والرأي الراجح هو الرأي الأول.
" الفقيه والمتفقه " (2/ 60)، " مجموع الفتاوى " (19/ 124).

الصفحة 4486