كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 9)
ذلك من الصواب لا من الإصابة، فلا يستفاد من المسألة ما تزعمه من كون مذهب إمامك حقًا، فإنه لا ينافي الخطأ. ولهذا صح عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر» (¬1) وهذا لا يخفى إلا على أعمى، وإذا لم تتعقل الفرق بين الصواب والإصابة فاستر نفسك بالسكوت، ودع عنك
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه مرارًا. وهو حديث صحيح.
قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " (ص851): فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه ويقال له مخطئ. واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبًا، وإطلاق اسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر.
فمن قال كل مجتهد مصيب، وجعل الحق متعددًا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأ بينًا، وخالف الصواب مخالفة ظاهرة فإن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل المجتهدين قسمين: قسمًا مصيبًا وقسمًا مخطئًا، ولو كان كل واحد منهم مصيبًا لم يكن لهذا التقسيم معنى.
ومن قال إن الحق واحد ومخالفه آثم فإن هذا الحديث يرد عليه ردًا بينًا ويدفعه دفعًا ظاهرًا.
ثم قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " (ص851): فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن الحق واحد ومخالفه مخطئ مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه ولم يقصر في البحث بعد إحرازه لما يكون به مجتهدًا.
انظر: " التبصرة " (ص496)، " البحر المحيط " (6/ 247).
* الفرق بين الإصابة والصواب:
أن إصابة الحق هي الموافقة له بخلاف الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ ولم يصبه من حيث كونه قد فعل ما كلف به واستحق الأجر عليه وإن لم يكن مصيبًا للحق وموافقًا له.
" البحر المحيط " (6/ 255).