كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 9)
القضاء (¬1) أن من شروط القاضي أن يكون مجتهدًا، فإنه قال: والاجتهاد في الأصح. فهذا المقلد ليس بقاض بنص الأزهار، كما أنه مخطئ في إنكاره على من يخالف الأزهار من المجتهدين بنص الأزهار، وهو أيضًا مخطئ في إنكاره على اجتهادات المجتهدين بنص الأزهار فإنه قال في كتاب السير (¬2): في فضل إنكار المنكر: (ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه) (¬3)، وهذا المقلد قد نصب نفسه لإنكار اجتهاد ذات المجتهدين تلبيسًا على
¬_________
(¬1) (3/ 439 - مع السيل).
قال الشوكاني في " السيل الجرار " (3/ 448): والحاصل أن نصب المقلد للحكم بين عباد الله إذن له بالحكم بالطاغوت لأنه لا يعرف الحق حتى يحكم به، وما عدا الحق فهو طاغوت، ولو قدرنا أنه أصاب الحق في حكمه لكان قد حكم بالحق وهو لا يعلم به. فهو أحد قاضيي النار، وإن حكم بغير الحق فهو القاضي الآخر من قضاة النار.
ثم قال الشوكاني وقد ثبت عن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن من علامات القيامة أن يتخذ الناس رؤساء جهالاً يفتون بغير علم فيضلون ويضلون ورأس الرياسات الدينية هو القضاء بلا شبهة.
أخرج البخاري رقم (100) ومسلم رقم (13/ 2673) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ".
(¬2) قال الشوكاني في " السيل الجرار " (3/ 791 مع السيل).
(¬3) قال الشوكاني في "السيل الجرار" (3/ 794): قوله: " ولا في مختلف فيه على من هو مذهبه ".
أقول: هذه المقالة قد صارت أعظم ذريعة إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرفناها - العمل بهما واجب بإجماع الأمة، وهما العمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين والركنان الكبيران من أركانه - وقد وجب بإيجاب الله عز وجل، وبإيجاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على هذه الأمة الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، والنهي عما هو منكر من منكراته، ومعيار ذلك الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفًا. وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكرًا.
وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامل به ثانيًا. وهذه الشريعة الشريفة التي أمرنا بالأمر بمعروفها والنهي عن منكرها هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة.
وأما ما حدث من المذاهب فليست بشرائع مستجدة، ولا هي شرائع ناسخة لما جاء به خاتم النبيين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإنما هي بدع ابتدعت وحوادث في الإسلام حدثت، فما كان منها موافقًا للشرع الثابت في الكتاب والسنة فقد سبق إليه الكتاب والسنة، وما كان مخالفًا للكتاب والسنة فهو رد على قائله مضروب به في وجهه كما جاءت بذلك الأدلة الصحيحة التي منها " كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد " - تقدم تخريجه.
فالواجب على من علم بهذه الشريعة، ولديه حقيقة من معروفها ومنكرها أن يأمر بما علمه معروفًا، وينهى عما علمه منكرًا، فالحق لا يتغير حكمه، ولا يسقط وجوب العمل به، والأمر بفعله، والإنكار على من خالفه بمجرد قول قائل أو اجتهاد مجتهد أو ابتداع مبتدع.
فإن قال تارك الواجب، أو فاعل المنكر: قد قال بهذا فلان، أو ذهب إليه فلان أجاب عليه بأن الله لم يأمرنا باتباع فلان، بل قال لنا في كتابه العزيز {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] فإن لم يقنع بهذا حاكمه إلى كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما أمرنا الله سبحانه في كتابه بالرد إليهما عند التنازع.
قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].