كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 9)
المسلمين غزوهم أم لا؟
وأقول: من كان تاركًا لأركان الإسلام، وجميع فرائضه، ورافضًا لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال، ولم يكن لديه إلا مجرد التكلم بالشهادتين فلا شك ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر، حلال الدم والمال، فإنه قد ثبت بالأحاديث المتواترة (¬1) أن عصمة الدماء والأموال إنما تكون بالقيام بأركان الإسلام، فالذي يجب على من يجاور هذا الكافر من المسلمين في المواطن والمساكن أن يدعوه إلى العمل بأحكام الإسلام، والقيام بما يجب عليه القيام به على التمام، ويبذل تعليمه ويلين له القول، ويسهل عليه الأمر، ويرغبه في الثواب، ويخوفه من العقاب، فإن قبل منه ورجع إليه وعول عليه وجب عليه أن يبذل نفسه لتعليمه، فإن ذلك من أهم الواجبات (¬2) وآكدها، أو يوصله
¬_________
(¬1) انظر الرسالة رقم (4).
قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " (28/ 502): كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائعه.
ثم قال رحمه الله (28/ 503) .. فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضة، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر والزنا والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته.
- التي لا عذر لأحد في جمودها وتركها - التي كفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء.
وانظر: " المغني " (13/ 29 - 31).
(¬2) وتجب الدعوة قبل القتال إلى إحدى ثلاث إما الإسلام أو الجزية أو السيف لحديث سليمان بن بريدة عن أبيه قال: " كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: " اغزوا بسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم ".
أخرجه مسلم رقم (3/ 1731) وأبو داود رقم (2612) والترمذي رقم (1617، 1408) وهو حديث صحيح.
قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت، فمن بلغتهم لا يدعون.
قال ابن قدامة في " المغني " (13/ 29): وهذا يحتمل أنه كان في بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإسلام فأما اليوم. فق انتشرت الدعوة، فاستغنى بذلك عن الدعاء عند القتال.
قال أحمد: كان النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعو إلى الإسلام قبل أن يحارب. حتى أظهر الله الدين، وعلا الإسلام ولا أعرف اليوم أحدًا يدعى، فقد بلغت الدعوة في أول الإسلام والروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة في أول الإسلام وإن دعا فلا بأس.