كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 9)

عن الجزم به بوادره، وأصابه الجبن الذي يصاب به كثير من حملة العلم فواجب عليه وجوبًا مضيقًا أن يتخلص مما هو فيه، ويعزل نفسه، ويستريح ويريح، فإن لم يقبل منه ذلك، ولا وجد من يساعده ويقبله منه [8أ] ففي سعة الخافقين مضطرب، وفي كل بلاد من اجتهاد يدل، وما الكرخ (¬1) الدنيا، ولا الناس قاسم. فإن لم تساعده المقادير إلى ذلك، ولا بلغت إليه طاقته فعليه أن يرد كل خصومة ترد عليه وفيها دليل واضح، لأنه [ ...... ] (¬2) من الحكم به إلى غيره من الحكام، ولم يوجب الله عليه أن يحكم بخلاف الشرع، ولا سوغ له ذلك بوجه من الوجوه، ولا سيما إذا كانت تلك المسألة مما اضطربت فيها الأدلة وتعارضت، فإن المجتهد وإن رجح أحد الأدلة فالمخالف له قد رجح دليلاً معارضًا لدليله بوجه من وجوه الترجيح
__________
على اختلاف الأنظار في ذلك، وتباين مراتب العلوم، وتفاوت أقدام العلماء، وأن العقبة الكئود، والمعضلة العمياء الصماء أن يكون قد ألف الناس بسبب التقليد قولاً وهو محض رأي، وقد عارضه دليل صحيح ظاهر الدلالة، واضح المعنى كمعارضة حديث المصراة المتفق (¬3) عليه بتلك الخيالات المختلة، والآراء المعتلة (¬4). وأمثاله كثيرة ونظائره جمة. وأخطر مواطن الخلاف وأصعبها موطنان:
الموطن الأول: ما ينشأ عن الحيل المخالفة للشرع التي سوغها بعض أهل العلم تسويغًا
¬_________
(¬1) محلة بغداد. ويقال كرخ بغداد: لما ابتنى المنصور مدينة بغداد أمر أن تجعل الأسواق في طاقات المدينة إزاء كل باب، سوق.
" معجم البلدان " (4/ 448).
(¬2) كلمة غير واضحة في المخطوط.
(¬3) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2150) ومسلم رقم (11/ 151) وأحمد (2/ 242، 294) ومالك في الموطأ (2/ 683 رقم 96) وأبو داود رقم (3443) والنسائي (7/ 253) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر ".
(¬4) انظر: " أعلام الموقعين " (2/ 330)، " المسوى " (2/ 32).

الصفحة 4554