كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 10)
قال جار الله الزمخشري (¬1) في تفسير الآية: جعلت [الذلة] (¬2) محيطة بهم، مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضربت عليه، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضرب لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه.
وقال (¬3) في تفسير الآية الثانية: والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، يعني ذمة الله وذمة المسلمين؛ أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لما قبلوا الجزية، ثم قال: وضربت عليهم المسكنة كما يضرب البيت على أهله، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه. انتهى.
إذا تقرر هذا فربك - جل وعز- قد أخبرك في كتابه أن الذلة مضروبة على اليهود، دائمة لهم بدوامهم، شاملة لجميع الأشخاص في جميع الأزمان، على جميع الأحوال، وليس المراد بذلك الأمر [2] الخلقي الجبلي، بل المراد التسليط عليهم، فلا تزال الحوادث تطرقهم، والمصايب تتعاورهم على ممر الدهور، وتعاقب العصور، وليس المراد بالذلة المضروبة [الذلة الحاصلة بسبب خاص، أو ببعض معين؛ لأن ذلك تحكم لم يدل عليه دليل، بل المراد] (¬4) [إلا] (¬5) الذلة الناشئة عن أي سبب كان من الأسباب التي لم يمنع الشارع منها، فإجبارهم على الالتقاط محصل للذلة المضروبة، وكل محصل للذلة المضروبة جائز، فإجبارهم على الالتقاط جائز.
أو يقال: التقاطهم للأزبال ذلة، وكل ذلة مضروبة عليهم، فالتقاطهم للأزبال مضروب عليهم، أو التقاطهم صادق عليه اسم الذلة، وكل صادق عليه اسم الذلة
¬_________
(¬1) في "الكشاف" (1/ 276).
(¬2) في (أ) الدلالة.
(¬3) أي الزمخشري في "الكشاف" (1/ 610).
(¬4) زيادة من (أ).
(¬5) زيادة من (ب).