كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 10)

الصغار لكل فرد في كل، فحسبنا الزمخشري (¬1) مخالفا وقامعا في الإجماع، فكيف والمخالف غيره كثير.
قوله: وإهمال اعتباره أي اعتبار الظاهر فيما نحن فيه مستلزم لجواز تقرير بعض أهل الذمة بلا جزية ولا صغار وهو باطل.
أقول: هم لا يهملون اعتبار الظاهر، أما في جانب الإعطاء فلما يجيء أنها من كل حالم دينار (¬2) وأما اعتبار كل صغار بالفعل لكل فرد على جهة اللزوم في حال الإعطاء وإلا
¬_________
(¬1) انظر: الكشاف (3/ 32).
(¬2) أخرجه أبو داود رقم (1576) والترمذي رقم (623) والنسائي (5/ 26) وابن الجارود رقم (1104) والدارقطني (2/ 102رقم 29) والحاكم في "المستدرك" (1/ 398)، والبيهقي (4/ 98)، و (9/ 193) وأحمد (5/ 230)، والطيالسي (1/ 240 رقم 2077 - منحة المعبود) وابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 126 - 127)، وعبد الرزاق في "المصنف" (4/ 21 - 22 رقم 6841)، وابن ماجه رقم (1803)، من حديث معاذ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم، يعني محتلما - دينارا أو عدله من المعافر، ثياب تكون باليمن".
وهو حديث صحيح.
قال ابن قدامة في "المغني" (13/ 209 - 210) وفي مقدار الجزية ثلاث روايات:
1 - أنها مقدرة بمقدار لا يزيد عليه ولا ينقص منه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرضها مقدرة بقوله لمعاذ - تقدم -: خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر. . . .
وفرضها عمر بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه، فكان إجماعا.
2 - أنها غير مقدرة بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، قال الأشرم: قيل لأبي عبد الله: فيزداد اليوم فيه وينقص؟ يعني من الجزية، قال: نعم، يزاد فيه وينقص على قدر طاقتهم، على ما يرى الإمام، وذكر أنه زيد عليهم فيما مضى درهمان، فجعله خمسين، قال الخلال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة، فإنه قال: لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص على ما رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع، فاستقر قوله على ذلك، وهذا قول الثوري، وأبي عبيد؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا، وصالح أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والنصف في رجب.
وعمر جعل الجزية على ثلاث طبقات:
- على الغني ثمانية وأربعين درهمًا.
- وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما.
- وعلى الفقير اثني عشر درهما.
وصالح بني تغلب على مثلي ما على المسلمين من الزكاة، وهذا يدل على أنها إلى رأي الإمام.
قال البخاري في صحيحه (4/ 117)، قال ابن عيينة: عن ابن أبي نجيح، قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من أجل اليسار، ولأنها عوض فلم تتقدر كالأجرة.
3 - أن أقلها مقدر بدينار، وأكثرها غير مقدر، وهو اختيار أبي بكر، فتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان؛ لأن عمر زاد على ما فرض رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم ينقص منه، وروي أنه على ثمانية وأربعين، فجعلها خمسين.

الصفحة 5067