كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 11)

وغيره (¬1)، من حديث عمران بن حصين قال: بينما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فقال: " خذوا ما عليها فإنها ملعونة ". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد.
وأخرج أبو يعلى (¬2)، وابن أبي الدنيا (¬3) بإسناد جيد من حديث أنس قال: سار رجل مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فلعن بعيره فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " يا عبد الله، لا تسر معنا على بعير ملعون ".
وأخرج ..........................................
¬_________
(¬1) كأحمد (4/ 429) وأبو داود رقم (2561).
قال القرطبي في " المفهم " (6/ 580): قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الناقة المدعو عليها باللعنة: " خذوا ما عليها فإنها ملعونة " حمله بعض الناس على ظاهره، فقال: أطلع الله تعالى نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن هذه الناقة قد لعنها الله تعالى. وقد استجيب لصاحبتها فيها. فإذا أراد هذا القائل: أن الله تعالى لعن هذه الناقة كما يلعن من استحق اللعنة من المكلفين كان ذلك باطلا. إذا الناقة ليست بمكلفة. وأيضا فإن الناقة لم يصدر منها ما يوجب لعنها. وإن أراد أن هذه اللعنة: إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن مالكتها، وعن استخدامها إياها فتلك اللعنة إنما ترجع لصاحبتها، إذ قد حيل بينها وبين مالها، ومنعت الانتفاع به، لا للناقة؛ لأنها قد استراحت من ثقل الحمل وكد السير، فإن قيل: فلعل معنى لعنة الله الناقة أن تترك ألا يتعرض لها أحد، فالجواب: أن معنى ترك الناس لها إنما هو أنهم لم يؤوها إلى رحالهم، ولا استعملوها في حمل أثقالهم، فأما أن يتركوها في غير مرعى، ومن غير علف حتى تهلك فليس في الحديث ما يدل عليه، ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في الأمر بالرفق بالبهائم، والنهي عن تعذيبها، وإنما كان هذا منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليها بما دعت به.
ويستفاد منه: جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك، والله تعالى أعلم.
(¬2) في " مسنده " رقم (3622).
(¬3) في " الصمت " رقم (390).
قال الهيثمي في " المجمع " (8/ 77): ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
وهو حديث حسن.

الصفحة 5437