كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 11)

[وجوب التوكل على الله سبحانه وتعالى مع الأخذ بالأسباب]
قوله: " يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ".
أقول: هذا الكلام الإلهي قد أفاد شمول كل عبد من عباد الله كما بيناه قريبا، فلا يوجد عبد من عباده سبحانه إلا والمطعم له هو الله عز وجل، ولو فرض - فرضا لا حقيقة - أن عبدا من عباده لم يطعمه فهو جائع، ولكنه عز وجل قد أطعم الكل من غير فرق بين مسلم وكافر، وذكر وأنثى، وصغير وكبير، وحر وعبد، وكل ما توصل به العباد من الأسباب التي يتحصل بها الرزق في الصورة فهي من الله عز وجل؛ لأنه خالق العبد وموجده، فلولا أنه خلقه وأوجده لم يكن لشيء من تلك الأسباب وجود.
ثم بعد إيجاده للعبد جعل له ما يباشر به تلك الأسباب، من صحة الجوارح والحواس، وسلامتها من الآفة التي تبطل عملها، فلو كان غير قادر على تحريك جوارحه كالمصاب بإقعاد أو شلل لم يتمكن من تلك الأسباب، وهكذا لو كان مسلوب الحواس الظاهرة أو الباطنة، أو مسلوب العقل لم يتمكن من شيء من تلك الأسباب، وهذا لو كان سليم الروح والحواس والعقل ولكنه معتلا بمرض لا يتمكن معه من تلك الأسباب لم يحصل له شيء منها فهو سبحانه المعطي والرازق والمطعم، فمن لم يطعمه الله فهو جائع، ومن لم يستطعم الله فهو غير طاعم.
وفي قوله: " فاستطعموني أطعمكم " إرشاد للعباد أن يسألوا ربهم عز وجل ويطلبوا الرزق منه.
وقد أخرج أبو داود (¬1)، والترمذي (¬2) وصححه من حديث ابن مسعود قال: قال
¬_________
(¬1) في " السنن " رقم (1645).
(¬2) في " السنن " رقم (2326).
وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وهو حديث حسن.

الصفحة 5457