كتاب الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (اسم الجزء: 12)

وهذا جواب شيخ الإسلام حفظه الله منقول من خط يده الكريمة ولفظُهُ:
بسم الله الرحمن الرحيم ـ
كثر الله فوائدك ـ:
اعلم أنَّ الله ـ سبحانه ـ أمر عباده بالصلاة على رسوله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ فكان حقُّ الامتثال أن يقولوا صلَّينا على رسول الله بالذي هو يقتضيه الأمرُ بالصلاة من الله ـ عز وجل ـ لعباده، فكيف وقع منه تعالى الأمر لعباده بالصلاة فوقع امتثالهم بغير ما يقتضيه ذلك الأمر في لغة العرب، فقالوا: اللهم صلّ على محمد إلخ فهو مثل قول الآمر لغيره: قم فقال المأمور له قم. قال لنا ـ عز وجل ـ: صلُّوا فقلنا: صلِّ. فهذا الإشكال يحتاج إلى جواب قبل الجوابِ على سؤال السائلِ.
فإن قلت: أبِنْ لنا جوابَ هذا. قلت: هذه الصلاةُ التي أمر بها ربنا ـ سبحانه ـ عبادَه أنْ يقولوها لرسلِه على شعارٍ عظيم، ولهذا كان مختصًا بالأنبياء مع أنَّ أصل الصلاة في اللغة الدعاءُ كما هو منصوصٌ عليه في صحاح الجوهري، (¬1) وفي غيره من كتب اللغة، (¬2) فكان مقتضى هذه المعنى اللغوي جوازَ قول البعض من العباد للآخر: صلَّيت عليك، لأنه بمعنى دعوتُ لك، لكن هذا الشعارَ لا يجوز أن يكون في غير الربَِ ـ سبحانه ـ. فإن قلت: إذا كان المعنى اللغويُّ ما ذكرتَ فما المانع من التكلُّم به على مقتضى لغة العرب، وإرادة المعنى فيكون قولُ القائل صلَّيت عليك بمنزلةِ قوله دعوتُ لك.
قلت: قد عُلم من رسول الله ـ صلي الله عليه وآله وسلم ـ أنه لما نزل الأمر القرآني بالصلاة عليه قالوا له: كيف نصلِّي عليك؟ قال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد
¬_________
(¬1) (6/ 2402).
(¬2) انظر: (لسان العرب) (7/ 398 ـ 399).
(مفردات ألفاظ القرآن) (ص 490 ـ 491) للراغب الأصفهاني.

الصفحة 5880