كتاب الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم (اسم الجزء: 1)

فلمَّا صرعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، عَلِمَ أنه مؤيَّد بقوة أخرى من عند الله تعالى، ولهذا قال: "واللهِ ما رمى أحدٌ جنبي إلى الأرض"، فكان لا يُغْلَب، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمصارعته إظهار آيات نبوَّته، وما أيَّده الله تعالى به من القوة والقدرة (¬١)، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق، لكن قصة الصدِّيق في الظُّهور بالعلم، [ح ٥٤] وهذه في الظُّهور بالقوة والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب، لِمَا فيهما (¬٢) من العَوْن على إظهار الدِّين وتأييده، فهي مراهنةٌ على حقّ، وأكل المال بها أكلّ له بالحق (¬٣)، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره؛ ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسْلَم الرجل.
وهذه المراهنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدِّيقِه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله تعالى به دينه، ويُعِزُّه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناه في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة (¬٤) جنْسُها يُعَدُّ للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يُعَدَّ للجهاد، وإنمَا يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمَّن نصرة الحق وإعلائه؛ كصراع النبي - صلى الله عليه وسلم - ركانة.
وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أُريد بها الفخر، والعلو [ظ ٢٧] في الأرض، وظلم الناس = كانت مذمومة، فالصِّراع والسِّباق بالأقدام
---------------
(¬١) في (ح، مط) (كما أيَّده الله به من القوة والفضل).
(¬٢) في (مط) (إنما فيها).
(¬٣) في (مط)، (ح) (بحق).
(¬٤) من (ظ)، وسقط من (ح) (جنسها يُعدُّ).

الصفحة 142