كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

إذا قرأ القرآن بكى، قالت: ما قلت ذلك إلا كراهية أن يتأثم الناس بأبي بكر (5) أن يكون أول من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فراجعته، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف (1).
__________
أسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. 5 - أي يتشاءموا به ويتجنبوه كتجنبهم الإثم لكونه أول من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. 1 - صواحب جمع صاحبة والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، وهذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحدة هي عائشة فقط، كما أن المراد بصواحب يوسف زليخا فقط، كذا قال الحافظ، ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ومرادها زيادة، وهو أن لا يتشاءم الناس به كما صرحت بذلك في بعض طرق الحديث عند مسلم فقالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. (تخريجه) (د. س. حب. مذ) وصححه. ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صمم على استخلاف أبي بكر بعد أن أخبر أنه إذا قرأ غلبه البكاء دل ذلك على الجواز، والله أعلم. وفي الباب عند ابن حبان والإمام أحمد وسيأتي في غزوة بدر من أبواب الغزوات إن شاء الله تعالى عن عليّ رضي الله عنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي» وهذا لفظ الإمام أحمد، وترجم له ابن حبان بذكر الإباحة للمرء أن يبكي من خشية الله، وأخرج البخاري وسعيد بن منصور وابن المنذر أن عمر صلى صلاة الصبح وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله تعالى {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف/86] فسمع نشيجه».
(الأحكام) أحاديث الباب تدل على جواز البكاء في الصلاة وأنه لا يبطلها، وللأئمة تفصيل في ذلك. فذهبت الحنفية إلى أنه غير مبطل للصلاة إن كان من خشية الله تعالى أو لذكر الجنة أو النار، فإن كان لوجع أو مصيبة بطلت. وذهبت المالكية إلى أن البكاء لخوف الله تعالى والدار الآخرة غير مبطل للصلاة ولو بصوت، أما إن كان لغير ذلك فإن كان بلا صوت فلا بأس وإلا فالكلام إن كان عمدًا أبطل قليله وكثيرة، وإن كان سهوًا أبطل كثيرة دون قليله. وذهبت الشافعية

الصفحة 112