كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)
__________
أنهم يقولون بوجوب الإعادة مرة بعد أخرى حتى يستيقن، ولم يرو عنهم الفرق بين المبتدأ والمبتلى. وروي عن عطاء ومالك أنهما قالا: يعيد مرة، وعن طاوس كذلك، وعن بعضهم: يعيد ثلاث مرات. واحتج القائلون بالاستئناف بما أخرجه الطبراني في (الكبير) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى فقال: ليعد صلاته وليسجد سجدتين قاعدًا» وهو من رواية إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت. قال العراقي: لم يسمع إسحاق من جده عبادة. اهـ. فلا ينتهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة المصرحة بوجوب البناء على الأقل، ومع هذا فظاهره عدم الفرق بين المبتدأ والمبتلى، والمدَّعى اختصاص الإعادة بالمبتدئ. واحتج القائلون بوجوب العمل بالظن والتحري إما مطلقًا أو لمن كان مبتلى بالشك بحديث ابن مسعود الذي في الباب لما فيه من الأمر لمن شك بأن يتحرى الصواب. وأجاب عنهم القائلون بوجوب البناء على الأقل بأن التحري هو القصد، ومنه قوله تعالى {فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا} [الجن/14] فمعنى الحديث فليقصد الصواب فيعمل به، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره. وفي (القاموس) أن التحري التعمد وطلب ما هو أحرى بالاستعمال. أفاده الشوكاني. قال النووي: فإن قالت الحنفية: حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا؛ لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يبني على الأقل بالإجماع، بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعًا مثلاً، فالجواب: أن تفسير الشك بمستوي الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكًا سواء المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح. اهـ. قال الشوكاني رحمه الله: والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل والبناء على اليقين وتحري الصواب، وذلك لأن التحري في اللغة كما عرفت هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب، وقد أمر به صلى الله عليه وسلم وأمر بالبناء على اليقين والبناء على الأقل عند عروض الشك، فإن أمكن الخروج بالتحري عن دائرة الشك لغة ولا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل، لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدراية كما في حديث عبد الرحمن بن عوف، وهذا التحري قد حصلت به الدراية، وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن كما في حديث أبي سعيد، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن، وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحري المذكور مقدم على البناء على الأقل، وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق ليس عليها أثارة