كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

__________
في حديث أبي هريرة دلالة على فضل سجوده التلاوة وأن فعله من أسباب دخول الجنة ورضا الرب، وإدخال الهلاك والحزن على إبليس عدو آدم وذريته وأن مصير إبليس إلى النار وبئس القرار. وفي حديث أبي الدرداء دليل على أن سجدات التلاوة إحدى عشرة سجدة، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم والمالكية وأخرجوا سجدات المفصل، وهي ثلاثة كما سيأتي، وأول المفصل سورة الحجرات إلى آخر القرآن. وذهب الشافعي في الجديد وطائفة إلى أنهن أربع عشرة سجدة، منها سجدتان في الحج وثلاث في المفصل، وليست سجدة صاد منهن، وإنما هي سجدة شكر. وقال أبو حنيفة: هن أربع عشرة أثبت سجدات المفصل وسجدة صاد وأسقط السجدة الثانية من الحج. وقال الإمام أحمد وابن سريج من الشافعية وطائفة: هن خمس عشرة محتجين بحديث عمرو بن العاص المذكور آنفًا. واعلم أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف، وثانيها عند قوله في الرعد {بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ} [الرعد/15]، وثالثها عند قوله في النحل {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل/50]، ورابعها عند قوله في بني إسرائيل {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء/109]، وخامسها عند قوله في مريم {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم/58]، وسادسها عند قوله في الحج {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج/18]، وسابعها عند قوله في الفرقان {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان/60]، وثامنها عند قوله في النمل {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل/26]، وتاسعها عند قوله في ألم تنزيل {وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة/15]، وعاشرها عند قوله في صاد {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص/24]، والحادي عشر عند قوله في حم السجدة {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصلت/37]، وبه قال مالك وطائفة من السلف وبعض الشافعية، وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور عند قوله {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت/38]، والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر سجدات المفصل وستأتي، والخامس عشر السجدة الثاني في الحج. واحتج من نفى سجدات المفصل وهم المالكية ومن وافقهم بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ «لم يسجد صلى الله عليه وسلم في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» وفي إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، ومطر الوراق وهما ضعيفان وإن كانا من رجال مسلم. قال النووي: حديث ابن عباس ضعيف الإسناد لا يحتج به. قال الشوكاني: وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالأحاديث المتقدمة مثبتة وهي مقدمة على النفي، ولا سيما مع إجماع العلماء على أن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة وهو يقول في حديثه الآتي بعد أربعة أبواب «سجدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الإنشقاق/1] و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق/1]». فائدة: قال النووي رحمه الله في (شرح مسلم): قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة، وهو عند الجمهور سنة، وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض. اهـ.

الصفحة 160