كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

__________
وذهبت المالكية إلى عدم السجود فيها محتجين بحديث رواه أبو داود عن ابن عباس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» وهو ضعيف، ضعفه أئمة الحديث وتقدم في الباب الأول قول النووي إنه لا يحتج به. قلت: حديث ابن عباس لا يقاوم أحاديث الباب لصحتها وضعفه، ولكثرتها وانفراده، ولكونه نافٍ وهي مثبتة، والمثبت مقدم على النافي. فإن قيل: إن سياق أحاديث الباب يدل على أن ذلك كان بمكة وحديث ابن عباس يوافق ذلك. قلت: حديث أبي هريرة الأخير من أحاديث الباب (وهو صحيح رواه مسلم وغيره) مصرح بقوله «سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الإنشقاق/1] و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق/1] وتقدم في الباب الأول إجماع العلماء على أن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة، فثبت بذلك أنه صلى الله عليه وسلم سجد في المفصل بعد تحوله إلى المدينة، فالحق ما ذهب إليه الجمهور والله أعلم. تتمة في مسألة الغرانيق وتفسير أربع آيات من قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} [الحج/52] إلى قوله {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج/55] لحكيم الإسلام الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله وجعل الجنة مأواه قال رحمه الله تعالى في ذيل كتابه (تفسير الفاتحة) بعد المقدمة ما نصه: يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي (القرآن) ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم، وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم، ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القيوم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز. عصمة الرسول في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب وأيدته السنة وأجمعت عليه الأمة، وما خالف فيه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه إلى خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حق لا يرتاب فيه مليّ يفهم ما معنى الدين، مع ذلك لم يعدم الباطل في أعوانًا يعملون على هدمه وتوهين ركنه أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل، نظروا نظرة في قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
مِن رَّسُولٍ

الصفحة 170