كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

__________
وَلاَ نَبِيٍّ} [الحج/52] الآية وفيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن «تمنى» بمعنى قرأ والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقيض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها وتتباين ألفاظها، وتتفق في أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ وأعرضوا عنه وجفاه قومه وعشيرته لعيبه أصنامهم وزرايته على آلهتهم أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيرهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم/1] وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم/20] ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام وذكر أن شفاعتهن ترتجى، فمنهم من قال: إنه عندما بلغ {وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} [النجم/20] سهى فقال: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» ومنهم من روى «الغرانقة العلى» ومنهم من روى «إن شفاعتهن ترتجى» بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: «وإنها لمع الغرانيق العلى» ومنهم من روى «وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى» ففرح المشركون بذلك، وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا. قال ابن حجر العسقلاني: وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلاً صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة (في رأيه) وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا. اهـ. ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا. روى ذلك ابن جرير الطبري وشايعه عليه كثير من المفسرين. وفي طباع الناس إلف الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير، واتخذوها عقدة إيمانهم حتى ظنوا (وبعض الظن إثم) أن لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها، وذهب إليه الأئمة في بيانها حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثير منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجئوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم وخاب ظنهم وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا

الصفحة 171