كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

__________
أبلج. في صحيح البخاري: وقال ابن عباس {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج/52] إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، ويقال: أمنيته قراءته {إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة/78] يقرئون ولا يكتبون. اهـ. فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ «يقال» بعدما فسرها بالحديث رواية عن ابن عباس. وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين. فما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة. ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ «يقال» يفيد أنه غير معتبر عنده. (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس). وقال صاحب (الإبريز): إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة، مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها على ابن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعفيه. اهـ. هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة، وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها. وأما قصة الغرانيق فمع فما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفطن لما ورد على لسانه وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين فحزن لذلك، فأنزل الله عليه {وَمَا أَرْسَلْنَا} [الحج/52] الآيات تسلية له كما أنزل لذلك قوله {وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء/73 - 75] وفي بعض الروايات أن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {وَمَا أَرْسَلْنَا} الآية. قال القسطلاني في (شرح البخاري): وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة. اهـ. وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق أنه من وضع الزنادقة مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين. وقال القاضي عياض: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، والمتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطراب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار. وقال الإمام أبو بكر بن العربي، وكفى به حجة في الرواية والتفسير: إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له. قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {وَالنَّجْمِ} وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. اهـ. وقد يكون ذلك لبلاغة السورة وشدة قرعها وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد

الصفحة 172