كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)
__________
وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ} [النساء/113] قال القشيري: ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل لوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل. قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا ركن. انتهى المطلوب من كلام القاضي رحمه الله. وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها. أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح وأنه يحتج بها الخ ما سبق، فقد ذهب عليه كما قال في (الإبريز) أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها، هذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل (1) وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له. هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم، فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير وإن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ القوة في قوله ولا تحمل على الأخذ برأيه. (تفسير الآيات) والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها وتدل عليه عباراتها والله أعلم. لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} [الحج/52] الآيات، يحكي قدرًا قُدِّرَ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عُرفت فيهم وفي أممهم، فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المُنَزَّل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته ... إلخ، وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختيارهم من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده. ذكر الله لنبيه حالاً من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن
__________
1 - الحديث المرسل هو الذي سقط من سنده من بعد التابعي والجمهور يتوقفون عن الاحتجاج به لجواز أن يكون الساقط غير صحابي - كذا بحاشية الأصل.