كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

__________
في الأولى منهما، واختلفوا في الثانية، فمن أثبتها عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وأبو موسى رضي الله عنهم وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزر بن حبيش ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود رحمهم الله. قال ابن المنذر: قال أبو إسحاق يعني السبيعي التابعي الكبير: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وحكى ابن المنذر عن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وجابر بن زيد وأصحاب الرأي (ومنهم أبو حنيفة) إسقاطها، وعن ابن عباس روايتان، قال ابن المنذر: وبإثباتها أقول. قلت: وحديث ابن عباس وما بعده من أحاديث الباب جميعها تدل على مشروعية السجود في سورة ص عند قوله تعالى {وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص/24] وبه قال الجمهور وخالف في ذلك الشافعية. قال النووي: قال أصحابنا سجدة ص ليست من عزائم السجود، معناه ليست سجدة تلاوة، ولكنها سجدة شكر، هذا هو الصواب المنصوص وبه قطع الجمهور، وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي: هي سجدة تلاوة من عزائم السجود، والمذهب الأول. اهـ. ج. قلت: احتج الشافعية بحديث أبي سعيد قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص» الحديث تقدم في الشرح آنفًا وبحديث ابن عباس مرفوعًا «سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا» رواه النسائي والبيهقي وضعفه، قال الحافظ: فاستدل الشافعي بقوله «شكرًا» على أنه لا يسجد فيها في الصلاة، لأن سجود الشاكر لا يشرع داخل الصلاة. اهـ. قال صاحب (المهذب): فإن قرأها في الصلاة فسجد فيها ففيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاته لأنها سجدة شكر فبطلت بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة. والثاني: لا تبطل؛ لأنها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر سجدات التلاوة. اهـ. فائدة: قال الشوكاني رحمه الله: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضأ، وقد كان يسجد معه صلى الله عليه وسلم من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون كما تقدم وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم، وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء، وكذلك روى عنه ابن أبي شيبة، وأما ما رواه البيهقي عنه بإسناد قال في (الفتح): صحيح أنه قال «لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر» فيجمع بينهما بما قال الحافظ من حمله على الطهارة الكبرى، أو على حالة الاختيار والأول على الضرورة، وليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان فقيل إنه معتبر اتفاقًا. قال في (الفتح): لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه «كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشي يومئ إيماءً» ومن الموافقين لابن

الصفحة 183