كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)
__________
فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن تكليمه وأمره بمفارقة زوجته، حتى ضاقت الأرض بما رحبت عليه وعلى صاحبيه اللذين اعترفا كما اعترف، وقد وصف الله عز وجل ذلك في كتاب، ثم بعد خمسين ليلة تاب الله عليهم، فلما بشر بذلك سجد شكرًا لله تعلى. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة نريد المدينة فلما كنا قريبًا من عزوراء (بفتح العين المهملة وسكون الزاي وفتح الواو وبالمد ثنية الجحفة عليها الطريق من المدينة ويقال فيها عزور) نزل ثم رفع يديه فدعا الله ساعة ثم خر ساجدًا فمكث طويلاً، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خر ساجدًا فعله ثلاثُا، وقال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي فأعطاني ثلث أمتي فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا لربي، ثم رفعت رأسي فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدًا لربي» رواه أبو داود، قال النووي: لا نعلم ضعف أحد من رواته ولم يضعفه أبو داود، ولما لم يضعفه فهو حسن عنده. وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم خر ساجدًا حين جاءه كتاب علي رضي الله عنه من اليمن بإسلام همذان، رواه البيهقي من جملة حديث طويل، وقال: هو صحيح على شرط البخاري، وروى البيهقي وغيره سجود الشكر من فعل أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم. (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية سجود الشكر. قال النووي رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه سنة عند تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، وبه قال أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعلي وكعب بن مالك رضي الله عنهم وعن إسحاق وأبي ثور وهو مذهب الليث وأحمد وداود، وقال ابن المنذر: وبه أقول، وقال أبو حنيفة: يكره، وحكاه ابن المنذر عن النخعي، وعن مالك روايتان أشهرهما الكراهة، ولم يذكر ابن المنذر غيرها، والثانية: أنه ليس بسنة، واحتج لمن كرهه بأن النبي صلى الله عليه وسلم شكا إليه رجل القحط وهو يخطب فرفع يديه ودعا فسقوا في الحال ودام المطر إلى الجمعة الأخرى، فقال رجل: يا رسول الله تهدمت البيوت وتقطعت السبل فادع الله يرفعه عنا، فدعا فرفع في الحال، والحديث في الصحيحين من رواية أنس، وموضع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد لتجدد نعمة المطر أولاً، ولا لدفع نقمته آخرًا، قالوا: ولأن الإنسان لا يخلو من نعمة، فإن كلفه لزم الحرج، قال: واحتج أصحابنا بحديث أبي بكرة وقد بيناه، ثم ذكر حديث أبي سعيد والبراء وأشار إلى حديث كعب بن مالك، ثم قال: والجواب عن حديثهم (يعني حديث الرجل الذي شكا القحط واحتج به القائلون بالكراهة) أنه ترك السجود في بعض الأحوال بيانًا للجواز، ولأنه كان على المنبر وفي السجود حينئذ مشقة أو اكتفى بسجود الصلاة، والجواب بأحد هذه الأوجه أو غيرها متعين للجمع بين الأدلة. اهـ. ج. قال الشوكاني: