كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)
-[مذاهب العلماء فى حكم ركعتى الفجر والخلاف فى وجوبهما]-
قال أخبرني أبى قال رأيت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يخطب عشيَّة عرفة على جبلٍ أحمر، قال سلمة أوصانى أبى بصلاة السَّحر، (1) قلت يا أبت إنِّى لا أطيقها، قال فانظر الرَّكعتين قبل الفجر فلا تدعنَّهما، (2) ولا تشخص في الفتنة
__________
(غريبه) (1) أي بصلاة الليل وقت السحر (2) أى لا تتركنهما، وأنى بنون التوكيد للاهتمام بشأنهما (وقوله ولا تشخص فى الفتنة) أى لا تظهر فيها ولا تنتقل من جهة لأخرى ولا تنضمّ لأحد الفريقين فيها بل الزم بيتك (تخريجه) لم أقف عليه وسنده لا بأس به (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أفضلية ركعتى الفجر وعلى استحباب التعاهد لهما وكراهة التفريط فيهما، وقد استدل بأحاديث الباب على أن ركعتى الفجر آكد من الوتر، وهو أحد قولى الشافعى، ووجه الدلالة أنه جعل ركعتى الفجر خيرًا من الدنيا وما فيها، وجعل الوتر خيرًا من حمر النعم، وحمر النعم جزء ما فى الدنيا، وأصح القولين عن الشافعى أن الوتر أفضل وقد استدل لذلك بما عند مسلم والأمام احمد من حديث أبى هريرة وسيأتى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (أفضل الصلاة بعد الفريضة الصلاة فى جوف الليل) وبالاختلاف فى وجوبه كما سيأتى، وقد وقع الاختلاف أيضا فى وجوب ركعتى الفجر، فذهب الجمهور الى أنهما من النوافل محتجين بحديث عائشة "لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم على شئ من النوافل أشد تعاهدًا منه على ركعتى الفجر" وهو صريح فى كونهما سنة، وذهب الى الوجوب حسن البصرى، حكى ذلك عنه ابن أبى شيبة فى مصنفه والقاضى عياض، والظاهر أن حجته فى ذلك حديث أبى هريرة "لا تدعوا ركعتى الفجر وان طردتكم الخيل" (قال الشوكانى) والحديث يقتضى وجوب ركعتى الفجر لأن النهى عن تركهما حقيقة فى التحريم وما كان تركه حرامًا كان فعله واجب ولا سيما مع تعقيب ذلك بقوله ولو طردتكم الخيل، فان انلهى عن الترك فى مثل هذه الحالة الشديدة التى يباح لأجلها كثير من الواجبات، من الأدلة الدالة على ما ذهب اليه الحسن من الوجوب، فلا بد للجمهور من قرينة صارفة عن المعنى الحقيقى للنهى بعد تسليم صلاحية الحديث للأحتجاج اهـ (قلت) تصريح عائشة بأنه من النوافل يصرفه عن الوجوب بلا نزاع لا سيما وحديث عائشة أصح ومتفق عليه، وحكى صاحب البيان والرافعى وجها لبعض الشافعية أن الوتر وركعتى الفجر سواء فى الفضيلة والله أعلم