كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 4)

فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم (1) فلما رأيتهم يصمتوني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي (2) ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، والله ما كهرني (3) ولا شتمني ولا ضربني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إنا قوم حديث عهد بالجاهلية (4) وقد جاء الله بالإسلام، وإن منا قومًا يأتون الكهان (5)
__________
وإسكان الكاف وبفتحهما جميعًا لغتان كالبُخل والبَخل، حكاهما الجوهري وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها وحزنها عليه لفقده، يقال: امرأة ثكلى وثاكل، وثكلته أمه بكسر الكاف وأثكله الله تعالى أمه. وقوله «أمياه» بكسر الميم المشددة وأصله (أمي) زيدت عليه ألف الندبة لمد الصوت، وأردفت بهاء السكت، وفي رواية أبي داود «أماه». 1 - يعني فعلوا هذا ليسكتوه، وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته، وفيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة وأنها لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. قاله النووي. م. 2 - متعلق بفعل محذوف تقديره (أفديه بأبي وأمي). 3 - أي ما انتهرني، و (الكهر) الانتهار، قاله أبو عبيد. وقرأ عبد الله بن مسعود {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَكْهَرْ} [الضحى/9]، وقيل: الكهر العبوس في وجه من تلقاه، وفيه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به ورفقه بالجاهل ورأفته بأمته وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل وحسن تعليمه واللطف به وتقريب الصواب إلى فهمه. 4 - قال العلماء: الجاهلية ما قبل ورود الشرع، سموا جاهلية لكثرة جهالاتهم وفحشهم. 5 - المراد بالكهان هم من يدعون علم الغيب، وسيأتي الكلام عليهم في باب ما جاء في الكهانة وأصل مأخذها من كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. قال العلماء: وإنما نهى عن إتيان الكهان لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، لأنهم يلبسون على الناس كثيرًا من أمر الشرائع، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون وتحريم ما يعطون من الحلوان، وهو حرام بإجماع المسلمين، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة منهم أبو محمد البغوي رحمهم الله تعالى، قال البغوي: اتفق أهل العلم على تحريم حلوان الكاهن، وهو ما أخذه المتكهن على كهانته، لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة

الصفحة 74