كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 9)

-[كلام العلماء في مراتب صدقة الجسد]-
.....
__________
عن المنكر ويمسك عن الشر فليفعل الجميع، ومقصود هذا الباب أن أعمال الخير تنزل منزلة الصدقات فى الأجر. ولا سيما فى حق من لا يقدر عليها، ويفهم منه أن الصدقة فى حق القادر عليها أفضل من الأعمال القاصرة. ومحصل ما ذكر فى حديث الباب (يعنى حديث بريدة) أنه لا بد من الشفقة على خلق الله وهى إما بالمال أو غيره، والمال إما حاصل أو مكتسب، وغير المال إما فعل وهو الأغاثة. واما ترك وهو الأمساك اهـ (وقال الشيخ ابو محمد بن أبى جمرة) رحمه الله ترتيب هذا الحديث أنه ندب إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرب منها أو يقوم مقامها وهو العمل والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه وهو الأغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فان لم يطق فترك الشر، وذلك آخر المراتب، قال ومعنى الشر هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوب إذا كان عجزه عن ذلك عن غير اختيار اهـ (قال الحافظ) وأشار بالصلاة إلى ما وقع فى آخر حديث أبى ذر عند مسلم (قلت والأمام أحمد أيضا من حديث بريدة الأسلمى) "ويجزاء عن ذلك كله ركعتا الضحى" وهو يؤيد أن هذه الصدقة لا يكمّل منها ما يختل من الفرض، لأن الزكاة لا تكمل الصلاة ولا العكس، فدل على افتراق الصدقتين، واستشكل الحديث مع ما تقدم ذكر الأمر بالمعروف وهو من فروض الكفاية فكيف تجزاء عنه صلاة الضحى وهى من التطوعات (وأجيب) بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره فسقط به الفرض، وكأن فى كلامه هو زيادة فى تأكيد ذلك. فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضحى كذا قيل (وفيه نظر) والذى يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستين حسنة التى يستحب للمرء أن يسعى فى تحصيلها كل يوم ليعتق مفاصله التى هى بعددها، لا أن المراد أن صلاة الضحى تغنى عن الأمر بالمعروف وما ذكر معه؛ وإنما كان ذلك لأن الصلاة عمل بجميع الجسد فتتحرك المفاصل كلها فيها بالعبادة، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الركعتين يشتملان على ثلاثمائة وستين ما بين قول وفعل إذا جعلت كل حرف من القراءة مثلا صدقة، وكأن صلاة الضحى خصت بالذكر لكونها أول تطوعات النهار بعد الفرض وراتبته، وقد أشار فى حديث أبى ذر إلى أن صدقة السلامى نهارية لقوله يصبح على كل سلامى من أحدكم (قلت يعنى رواية مسلم وقد روى هذا اللفظ الأمام أحمد من حديث أبى هريره المذكور فى الباب) قال وفى حديث أبى هريرة كل يوم تطلع فيه الشمس، وفى حديث عائشة فيمسى وقد زحزح نفسه عن النار (قلت حديث عائشة تقدم فى الزوائد من رواية مسلم) قال وفى الحديث "يعنى حديث أبى موسى الرابع من أحاديث الباب" أن الأحكام تجرى على الغالب لأن في

الصفحة 181