كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 9)

-[معنى الصيام لغة واصلاحا]-
عمل ابن آدم له (1) إلَّا الصِّيام فإنَّه لى وأنا أجزى به (2) والصِّيام جنةٌ، وإذا
__________
بكر قالا أنا ابن جريج أخبرنى عطاء عن أبى صالح الزيات أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم - الحديث" (غريبه) (1) أى له فيه حظ ومدخل لاطلاع الناس عليه فهو يتعجل به ثوابا من الناس ويحوز به حظا من الدنيا "إلا الصيام فانه لى" أى خالصًا لى لا يعلم ثوابه المترتب عليه غيرى، وقد اختلف العلماء فى معنى قوله "إلا الصيام فانه لى مع كون جميع الطاعات لله تعالى، فقيل سبب اضافته الى الله عز وجل انه لم يعبد أحد غير الله تعالى به" فلم يعظم الكفار فى عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام وان كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود والصدقة والذكر وغير ذلك، وقيل لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه بخلاف الصلاة والحج والغزو والصدقة وغيرهما من العبادات الظاهرة، وقيل لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ. قاله الخطابى، قال وقيل ان الاستغناء عن الطعام من صفات الله تعالى، فتقرب الصائم بما يتعلق بهذه الصفة وان كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شئ، وقيل معناه أنا المنفرد بعلم مقدار ثوابه أو تضعيف حسناته، وغيره من العبادات أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، وقيل هى اضافة تشريف كقوله تعالى {ناقة الله} مع أن العالم كله لله تعالى وفى هذا الحديث بيان عظم فضل الصوم والحث عليه (2) فيه بيان لكثرة ثوابه، لأن الكريم اذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضت عظمته وسعته العطاء "وقوله والصيام جنة" بضم الجيم أى سترة ومانع من الرفث والآثام ومانع أيضا
__________
(*) مسلم والترمذي وأبو داود فى بعض النسخ، وذكر النسائى وابن ماجه الصيام بعد الصلاة لأن كلا منهما عبادة بدنية، وأخره البخارى عن الحج لان للحج اشتراكما مع الزكاة فى العبادة المالية "ولكل وجهة هو موليها" (والصيام) ويقال الصوم أيضا مصدران لصام (معناه فى اللغة) الأمساك، قال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام {إنى نذرت للرحمن صوما} أى صمتا وسكوتا، وكان مشروعا عندهم، الا ترى إلى قولها {فلن أكلم اليوم انسيا} وقال النابغة الذبيانى.
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أى قائمة على غير علف قاله الجوهرى، وقال ابن فارس ممسكة عن المسير؛ وفى المحيط وغيره ممسكة عن الاعتلاف وصام. النهار إذا قام قيام الظهيرة وقال صام النهار وهجرا، يعنى قام قائم الظهيرة. وقال أبو عبيد كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير صائم، والصوم ركود الربح، والصوم البيعة، والصوم ذرق الحمام. وسلخ النعامة، والصوم إسم شجر، وفي المحيط صام (*)

الصفحة 208