كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 18)

-[أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بهجر كعب بن مالك وصاحبيه حتى يقضي الله فيهما]-
فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال فقلت لهم من هما؟ قالوا مرارة (1) بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي (2) قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا: لي فيهما أسوة، قال فمضيت حين ذكروهما لي، قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة (3) من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس، قال وتغيروا لنا حتى تنكرت لي من نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف (4) فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكنا (5) وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم (6) فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه فأقول في نفسي حرك شفتيه يرد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت علي صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت (7) حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلى فسلمت عليه فوالله مارة على السلام (8) فقلت له يا أبا قتادة أنشدك (9) الله هل تعلم أني أحب ورسوله؟ قال فسكت، قال فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال الله ورسوله أعلم (10) فقاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي (11) من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني عن كعب بن مالك؟ قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلى كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه (أما بعد) فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة (12)
__________
مثل ما تخلفت (1) بضم الميم وتخفيف الراء المكررة (ابن الربيع) جاء في نسخ مسلم ابن ربيعة وكذا نقله القاضي عن نسخ مسلم، ووقع في البخاري ابن الربيع كما هنا، قال ابن عبد البر يقال بالوجهين (وقوله العامري) هكذا هو في جميع نسخ مسلم أيضا وأنكره العلماء وقالوا هو غلط، إنما صوابه العمري بفتح العين المهملة وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه محمد بن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة (قال القاضي) هو الصواب وإن كان القابسي قد قال لا أعرفه إلا العامري فالذي قاله الجمهور أصح (2) بقاف ثم فاء منسوب إلى واقف بطن من الأنصار (3) قال القاضي عياض هو بالرفع وموضعه النصب على الاختصاص، وفي هذا هجران أهل البدع والمعاصي (4) معناه تغير على كل شيء حتى الأرض فإنها توحشت علي وصارت كأنها أرض لم أعرفها لتوحشها على (5) أي خضعا (6) أي أصغرهم سنا وأقواهم (7) معنى تسورته علوته وصعدت سوره وهو أعلاه ويستفاد منه جواز دخول الإنسان بستان صديقه وقريبه الذي يعرف أنه لا يكره ذلك بغير أذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحو ذلك (8) أي لعموم النهي عن كلامهم، وفيه أنه لا يسلم على المبتدعة ونحوهم وفيه أن السلام كلام، وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد عليه السلام حنث قاله النووي (9) هو بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك الله وأصله من النشيد وهو الصوت (10) قال القاضي لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه لأنه منهي عن كلامه، وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله فقال أبو قتادة مظهرا الاعتقاد لا يسمعه (11) بفتح النون والباء الموحدة وكسر الطاء المهملة يقال النبط والأنماط والنبيط وهم فلاحون العجم (12) المضيعة فيها لغتان إحداهما كسر الضاد وإسكان الياء التحتية والثانية بإسكان الضاد

الصفحة 168