كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 18)
-[فرح النبي صلى الله عليه وسلم بنزول توبة كعب وصاحبيه وتبشيرهم بذلك]-
وسعى ساع من أسلم وأوفى الجبل (1) فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته (2) يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته (3) والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين (4) فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول (6) حتى صافحني وهنأني (7) والله ما قام رجل من المهاجرين غيره؛ قال فكان كعب لا ينساها الطلحة (8) قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك (9) قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال لا بل من عند الله، قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه، قال فلما جلست بين يديه قال قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله (10) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك بعض مالك فهو خير لك (11) قال قلت أني أمسك سهمي الذي بخيبر قال فقلت يا رسول الله إنما الله تعالى نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني (12) الله تبارك وتعالى والله ما تعمدت كذبة (13) مذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن
__________
بتشديد الياء أي استحث رجل فرسا للعدو، وعند الواقدي أنه للزبير بن العوام (1) هو حمزة بن عمرو الأسلمي رواه الواقدي، وعند ابن عائدذ أن الذين سعيا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لكنه صدره بقوله زعموا (1) هو حمزة الأسلمي (3) فيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فبغيرها، والخلعة أحسن وهي المعتادة (4) أي من أبي قتادة كما عند الواقدي وفيه جواز العارية وجواز إعارة الثوب للبس (5) جاء عند مسلم فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا الخ ومعنى أتأمم أي أقصد والفوج الجماعة (6) أي يسير بين المشي والعدو (7) فيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكراما والهرولة إلى لقائه بشاشة وفرحا (8) أي هذه الخصلة وهي بشارته إياه بالتوبة أي لا يزال يذكر إحسانه إليه بذلك (9) معناه سوى يوم إسلامك إنما لم يستثنه لأنه معلوم لابد منه (10) معنى انخلع منه أخرج منه وأتصدق به، وفيه استحباب الصدقة شكرا للنعم المتجددة لاسيما ما عظم منها (11) قال النووي إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالاقتصار على الصدقة ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لا يصبر على الإضافة، ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر رضي الله عنه بجميع ماله فإنه كان صابرا راضيا (فإن قيل) كيف قال انخلع من مالي فأثبت له مالا مع قوله أولا نزعت ثوبي والله ما أملك غيرهما (فالجواب) أن المراد بقوله أن انخلع من مالي الأرض والعقار، ولهذا قال فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وأما قوله ما أملك غيرهما فالمراد به من الثياب ونحوها مما يخلع ويليق بالبشير، وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية وهو مذهبنا (يعني الشافعية) فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو لا يأكل ونوى ثمرا لم يحنث بالخبز (12) أي أنعم عليه والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر، لكن إذا أطلق كان الشر غالبا فإذا أريد الخير قيد كما قيده هنا فقال أحسن مما أبلاني (13) بفتح الكاف وإسكان الذال وكسرها