كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 18)

-[نص آيات التوبة وتفسيرها ووصف ما لاقاه الصحابة في غزوة تبوك من المشقة]-
يحفظني فيما بقى، قال وأنزل الله تبارك وتعالى {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين (1) والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم أنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله لا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا أن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال كعب فوالله ما أنعم الله تبارك وتعالى علي من نعمة
__________
(1) (التفسير) قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية في غزوة تبوك وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدية وحر شديد وعسر من الزاد والماء (قال قتادة) خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبات الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهما يمص هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم واقفلهم من غزوتهم، روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع وحتى أن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع وحتى أن الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه يوجعل ما بقى على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، فقال تحب ذلك؟ قال نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم وقد أزال الله عنهم الشدة وأنزل قوله تعالى {لقد تاب الله على النبي} تاب الله أي تجاوز وصفح ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه في غزوة تبوك، وقال بعض العلماء الأحسن أن يكون من قبيل ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وقيل هو بعث على التوبة على سبيل التعريض لأنه صلى الله عليه وسلم ممن يستغنى عن التوبة فوصف بها ليكون بعثا للمؤمنين على التوبة على سبيل التعريض وإبانة لفضلها (والمهاجرين والأنصار) أي وتاب عليهم حقيقة لأنه لا ينفك غير المعصوم عن الزلات، أو كانوا يتوبون عن وساوس تقع في قلوبهم (الذين اتبعوه) حقيقة بأن خرج أولا وتبعوه، أو مجازا عن اتباعهم أمره ونهيه (في ساعة العسرة) أي في وقت الشدة الحاصلة لهم في غزوة تبوك، أي من عسر الزاد والماء والظهر والقيظ وبعد الشقة (من بعد ما كان يزيغ) قرأ حمزة وحفص يزيغ بالياء لقوله كاد، وقرأ الآخرون بالتاء والزيغ الميل أي من بعد ما كادت تميل (قلوب فريق منهم) أي قلوب بعضهم ولم يرد الميل عن الدين بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف للشدة التي عليهم، قال الكلبي هم ناس بالتخلف ثم لحقوه (ثم تاب عليهم) فإن قيل كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية {لقد تاب الله على النبي} قيل ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب وهو محض الفضل من الله عز وجل، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة والمراد منه قبولها (إنه بهم رءوف رحيم) قال ابن عباس من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) هذا معطوف على ما قبله تقديرها لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا، أي من غزوة تبوك، وقيل خلفوا أي أرجئ أمر توبتهم وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار وهم المرادون بقوله تعالى- وآخرون مرجون لأمر الله- (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت)

الصفحة 171