كتاب الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني (اسم الجزء: 18)
-[اختلاف العلماء فى الدخان هل وقع فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم أو يأتى يوم القيامة؟]-
فلو كان يوم القيامة ما كشف عنهم (سورة الأحقاف) (باب قل أرأيتم ما تدعون من دون الله) الآية (حدّثنا يحيى) (1) عن سفيان ثنا صفوان بن سليم عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس قال سفيان لا أعلمه الا عن النبى صلى الله عليه وسلم (أو أثرة (2) من علم)
__________
إن تكشف عنا العذاب (أنى لهم الذكرى) كيف يذكرون ويتعظون ويوفون بما وعدوه من الايمان عند كشف العذاب {وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون} يقول كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا اليهم رسولًا بيِّن الرسالة جاءهم بما هو أعظم وأدخل فى وجوب التذكر من كشف الدخان وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من الكتاب المعجز فلم يذكروا وتولوا عنه وبهتوه بان عداسًا غلامًا أعجميًا لبعض ثقيف هو الذى علمه ونسبوه الى الجنون {انا كاشفوا العذاب قليلًا} زمانًا قليلًا أو كشفًا قليلًا، قال ابن مسعود فى حديث الباب فلو كان يوم القيامة ما كشف عنهم يعنى الدخان {انكم عائدون} أى إلى الكفر الذى كنتم فيه على قول ابن مسعود أو الى العذاب على قول غيره، جاء فى رواية أخرى للامام أحمد من حديث ابن مسعود أيضًا قال فاتى (بضم الهمزة وكسر التاء) رسول الله صلى الله عليه وسلم (تقدم أن الذى أتاه هو أبو سفيان) فقيل يا رسول الله استسق الله لمضر فانهم قد هلكوا قال فدعا لهم فانزل الله عز وجل {انا كاشفوا العذاب} فلما أصابهم المرة الثانية عادوا فنزلت {يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون} يوم بدر وهو يفيد أن كفار مكة ابتلوا بالدخان والجدب فلما عادوا لكفرهم انتقم الله منهم بالبطشة الكبرى وهى وقعة بدر، هذا تفسير ابن مسعود قال الحافظ ابن كثير وقوله تعالى {انا كاشفوا العذاب قليلًا انكم عائدون} يحتمل معنيين (أحدهما) أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا عدتم الى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى {ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا فى طغيانهم يعمهون} وكقوله جلت عظمته {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون} (والثانى) أن يكون المراد انا مؤخروا العذاب عنكم قليلًا بعد انعقاد أسبابه ووصوله اليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى {الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين} ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه عليهم قال وقوله عز وجل {يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون} فسر ذلك ابن مسعود رضى الله عنه بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسير الدخان بما تقدم، وروى أيضًا عن ابن عباس من رواية العوفىّ عنه وعن أبى بن كعب وهو محتمل، والظاهر أن ذلك يوم القيامة وان كان يوم بدر يوم بطشة أيضًا (قال ابن جرير) حدثنى يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة قال قال ابن عباس قال ابن مسعود البطشة الكبرى يوم بدر: وأنا أقول هى يوم القيامة وهذا إسناد صحيح عنه: وبه يقول الحسن البصرى وعكرمة فى أصح الروايتين عنه والله أعلم اهـ (قلت) تقدم للعلماء كلام فى هذه المسألة والجمع بين كلام ابن مسعود ومن خالفه ذكرته مبسوطًا فى باب (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) من تفسير سورة السجدة فى هذا الجزء صحيفة 232 رقم 377 فارجع اليه ترى ما يسرك والله الموفق (تخريجه) (ق مذ نس) وابن جرير وابن أبى حاتم (باب) (1) (حدثنا يحيى الخ) (غريبه) (2) هكذا بالأصل (أو أثرة) كقترة وفجرة وهى قراءة على وابن عباس بخلاف