كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية (اسم الجزء: 2)
وَالرَّغْبَةَ إلَيْهِ، وَهَذَا خَوْفُ اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ بِأَنَّهُ أَوَّاهٌ، وَقَدْ فُسِّرَ بِاَلَّذِي يَتَأَوَّهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَلَوْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ بِأَنْ اسْتَجَارَ مِنْ النَّارِ أَوْ سَأَلَ الْجَنَّةَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِخِلَافِ الْأَنِينِ وَالتَّأَوُّهِ فِي الْمَرَضِ وَالْمُصِيبَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِمَعْنَاهُ كَانَ كَلَامًا مُبْطِلًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ «عَائِشَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ، قَالَ: مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ، إنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ» وَكَانَ عُمَرُ يَسْمَعُ نَشِيجَهُ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوفِ لَمَّا قَرَأَ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] . وَالنَّشِيجُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ، كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَهَذَا مَحْفُوظٌ عَنْ عُمَرَ، ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا، وَهَذَا النِّزَاعُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا.
فَأَمَّا مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمُصَلِّي مِنْ عُطَاسٍ وَبُكَاءٍ وَتَثَاؤُبٍ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إنَّهُ يُبْطِلُ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا: كَالنَّاسِي، وَكَلَامُ النَّاسِي فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُبْطِلُ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ النَّاسِي، لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُعْتَادَةٌ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» .
وَأَيْضًا فَقَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ «الَّذِي عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ وَشَمَّتَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ، فَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاوِيَةَ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ» ؛ وَلَمْ يَقُلْ لِلْعَاطِسِ شَيْئًا.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْعُطَاسَ يُبْطِلُ تَكْلِيفٌ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا عَنْ السَّلَفِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْأَصْوَاتَ الْحَلْقِيَّةَ الَّتِي لَا تَدُلُّ بِالْوَضْعِ فِيهَا نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَأَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهَا جَمِيعًا أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ فَإِنَّ الْأَصْوَاتَ مِنْ جِنْسِ
الصفحة 232