كتاب الفتاوى الكبرى لابن تيمية (اسم الجزء: 3)

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 42] {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43] فَالْبَاغِي الظَّالِمُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعُهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَوْ بَغَى جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللَّهُ الْبَاغِيَ مِنْهُمَا دَكًّا. وَمِنْ حِكْمَةِ الشِّعْرِ:
قَضَى اللَّهُ أَنَّ الْبَغْيَ يُصْرَعُ أَهْلُهُ ... وَأَنَّ عَلَى الْبَاغِي تَدُورُ الدَّوَائِرُ
وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [يونس: 23] الْآيَةَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْبَغْيِ، وَمَا حَسَنَةٌ أَحْرَى أَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهَا الثَّوَابُ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ» فَمَنْ كَانَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ بَاغِيًا ظَالِمًا فَلِيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَتُبْ، وَمَتَى كَانَ مَظْلُومًا مَبْغِيًّا عَلَيْهِ وَصَبَرَ كَانَ لَهُ الْبُشْرَى مِنْ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] قَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: هُمْ الَّذِينَ لَا يَظْلِمُونَ إذَا ظُلِمُوا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي حَقِّ عَدُوِّهِمْ: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] وَقَالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا فَعَلَ بِهِ إخْوَتُهُ مَا فَعَلُوا فَصَبَرَ وَاتَّقَى حَتَّى نَصَرَهُ اللَّهُ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي عِزِّهِ: {قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] فَمَنْ اتَّقَى اللَّهَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِصِدْقٍ وَعَدْلٍ، وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَى الْآخَرِ وَظُلْمِهِ لَمْ يَضُرَّهُ كَيْدُ الْآخَرِ؛ بَلْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الْفِتَنُ سَبَبُهَا الذُّنُوبُ وَالْخَطَايَا فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ وَيَتُوبَ إلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْفَعُ الْعَذَابَ، وَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ

الصفحة 462

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text