كتاب جامع الأصول (اسم الجزء: 2)

940 - (م ت د س) أبي بن كعب - رضي الله عنه -: قال: كنتُ في -[480]- المسجد، فدخل رجلٌ يُصَلِّي، فقرأ قِراءة أنْكَرْتُها، ثم دخل آخرُ، فقرأ قراءة سوىِ قراءةِ صَاحبه، فلمَّا قَضَيْنا الصلاةَ، دَخَلْنا جميعاً على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلتُ: إنَّ هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه، فدخل آخرُ فقرأ سِوى قراءةِ صَاحبهِ، فأمَرَهُما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَرَآ، فَحَسَّنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم شأْنَهُما، فَسُقِطَ في نَفسيِ منَ التَّكْذيِبِ، ولا إذْ كُنْتُ في الجاهلية (¬1) ، فلما رأَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قد غَشِيَني، ضَرَبَ في صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقاً، وكأنما أنظرُ إلى الله -عز وجل- فَرَقاً، فقال لي: يا أُبيُّ، أُرْسِلَ إليَّ: أنْ اقرأ القُرْآن على حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إليه: أنْ هَوِّنْ علي أُمَّتي، فردَّ إلي الثانية: أن اقْرأْهُ على حرفين، فردَدْتُ إليه: أنْ هَوِّنْ على أمتي، فردَّ إليَّ الثالثة: أنِ اقْرَأْهُ على سَبْعَةِ أحرفٍ، وَلَكَ بكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَها (¬2) مَسْأَلَةٌ تسْألُنيِها، فقلتُ: اللهم اغْفِرْ لأُمَّتي، وأخَّرْتُ الثالثةَ ليومٍ يَرْغَبُ إليَّ الْخَلقُ كلُّهُمْ حتى إبراهيمُ.
وفي رواية أخرى قال: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان عندَ أَضاةِ بَنيِ غِفارٍ (¬3) ، -[481]- فأتاه جبريلُ -عليه السلام -، فقال: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَقَرَأَ أُمَّتُكَ القرآن على حرفٍ، فقال: أَسألُ اللهَ مُعَافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلك، ثم أتاه الثانية، فقال: إنَّ اللهَ يأْمُرَكَ أنْ تقرأ أمَّتُكَ القرآنَ على حرفين، فقال: أَسألُ اللهَ مُعَافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمَّتُكَ القرآن على ثلاثِة أَحرفٍ، فقال: أَسألُ اللهَ مُعَافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تُطيقُ ذلك، ثم جاءه الرابعة، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتُك القرآن على سبعة أحرفٍ، فَأَيُّما حَرْفٍ قرَؤوا عليه فقد أصابُوا. هذه رواية مسلم.
وفي رواية أَبي داود مثل الرواية الثانية، إلى قوله في أول مرة: «لا تُطيقُ ذلك» ، وقال: ثم أتاه ثانية فذكر نحو هذا حتى بَلَغَ سبعةَ أحرفٍ، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أُمتك على سبعة أحرفٍ، فَأيُّمَا حرفٍ قرؤوا عليه فقد أصابُوا.
وفي أُخرى له قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أُبيُّ، إني أُقْرِئتُ القرآن» ، فقيل لي: على حرفٍ أو حرفين؟ فقال المَلكُ الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثٍ؟ فقال المَلكُ الذي معي: قل: على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة، ثم قال: ليس منها إلا شَاف كافٍ، إنْ قلتَ: سَمِيعاً عَليماً، عزيزاً حكيماً، ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عذابٍ برَحْمَةٍ أو آيةَ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ.
وأخرج النسائي في الرواية الثانية من -[482]- روايتي مسلم.
وله في أخرى قال: أقْرأَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سُورة، فَبَيْنا أنا في المسجد جالسٌ، إذْ سمعتُ رُجلاً يَقْرَؤها بخلاف قِراءتي، فقلتُ له من علَّمكَ هذه السورة؟ فقال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا تُفارِقُني حتى نَأْتَيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا خالفَ قراءتي في السورةِ التي علَّمْتني، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اقْرأْها أُبيُّ، فقرأَتُها، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أحْسَنتَ، ثم قال للرَّجُلِ: اقْرَأْ، فَخالفَ قِراءتي، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أحْسَنتَ، ثم قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: يا أُبيُّ، أُنزلَ على سبعةِ أحرفٍ كُلُّها شافٍ كافٍ.
وفي أخرى له قال: مَا حاكَ في صدري مُنذُ أَسلمتُ، إلا أنِّي قرأْتُ آية، وقرأها آخرُ غيرَ قراءتي، فقلت، أقرَأَنِيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: أقرَأَنِيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُ النبيَّ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أقرأْتَني آيةَ كذا، وكذا؟ قال: نعم، وقال الآخر: ألمْ تُقْرئِْني آية كذا وكذا؟ قال: نعم، إنَّ جبريل وميكائيل، أتياني، فقعد جبريل عن يميني، وميكائيل عن يَساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرفٍ، وقال ميكائيل: اسْتَزِدْهُ، حتى بلغَ سبعة أحرفٍ، وكلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ.
وأخرج الترمذي عن أبيِّ بن كعبٍ هذا المعنى بغير هذا اللفظِ مخْتَصراً قال: لَقيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جبريلَ، فقال: يا جبريلُ، بُعِثتُ إلى أمَّة أمِّيِّينَ، فيهم العجوزُ والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ -[483]- كتاباً قَطُّ، فقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّ القرآن أُنزلَ على سبعةِ أَحرفٍ (¬4) .
S (شاف كاف) شاف: من الشفاء، وكاف: من الكفاية.
(فرقاً) الفرق: الفزغ.
(الأضاة) الغدير: وجمعها أَضَىً، مثل حَصَاة وحصى.
(أُمِّيِّينَ) الأُمِّيُّونَ: جمع أمي، وهو الذي لا يكتب، منسوب إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون. وقيل: الأمي: الذي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة، فهو على جبلته التي ولد عليها.
¬__________
(¬1) معناه: ووسوس لي الشيطان تكذيباً للنبوة، أشد مما كنت عليه في الجاهلية، لأنه في الجاهلية كان غافلاً أو متشككاً، فوسوس له الشيطان الجزم بالتكذيب.
(¬2) قوله: " ولك بكل ردة رددتكها " هذا يدل على أنه سقط في الرواية الأولى ذكر بعض الروايات الثلاث. وقد جاءت مبينة في الرواية الثانية. وقوله: " ولك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها " معناه: مسألة مجابة قطعاً.
(¬3) قال النووي: هي بفتح الهمزة، وبضاد معجمة مقصوراً، وهي الماء المستنقع كالغدير، وجمعها أضاً، كحصاة وحصى، وإضاء - بكسر الهمز والمد - كأكمة وإكام.
(¬4) أخرجه مسلم رقم (820) في الصلاة، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وأبو داود رقم (1477) و (1478) في الصلاة، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، والترمذي رقم (2945) في القراءات، باب ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وإسناده حسن. وأخرجه النسائي 2 / 152 و 154 في الصلاة، باب جامع ما جاء في القرآن، والرواية الثانية: سندها حسن.
Mأخرجه أحمد (5/127) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ومسلم (2/202) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا أبي. وفي (2/203) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد ابن بشر، وعبد الله بن أحمد (5/128) قال: حدثني وهب بن بقية، قال: حدثنا خالد بن عبد الله.
أربعتهم - يحيى، وابن نُمير، وابن بشر، وخالد - عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: حدثني عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره.
- ورواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب:
1 - أخرجه أحمد (5/127) قال: حدثنا محمد بن جعفر، ومسلم (2/203) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غُندر (ح) وحدثنا ابن المثنى، وابن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، وفي (2/204) قال: وحدثناه عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا أبي، وأبو داود (1478) قال: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، وعبد الله بن أحمد (5/128) قال: حدثني أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، والنسائي (2/152) قال: أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، كلاهما - محمد بن جعفر، ومعاذ العنبري- عن شعبة.
وأخرجه أحمد (5/128) قال: حدثنا جعفر بن مهران السباك، قال: حدثنا عبد الوارث، عن محمد بن جحادة. كلاهما - شعبة، وابن جِحادة - عن الحكم، عن مجاهد.
2 - وأخرجه أحمد (5/128) قال: حدثنا محمد بن سليمان الأسدي «لو ين» ، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، قال: حدثنا عمر بن سالم الأفطس، عن أبيه، عن زبيد.
كلاهما - مجاهد، وزبيد - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره.
- ورواه أيضا سليمان بن صرد عن أبي بن كعب:
أخرجه أحمد (5/124) قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وفي (5/124) قال: حدثنا بهز، وأبو داود (1477) قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، وعبد الله بن أحمد (5/124) قال: حدثنا هدبة بن خالد.
أربعتهم - عبد الرحمن، وبهز، وأبو الوليد، وهدبة - عن همام، قال: حدثنا قتادة عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، فذكره.
- ورواه سليمان بن صرد أيضا عن أبي بن كعب:
أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (670) ، قال: أخبرنا أبو داود، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا العوام. وعبد الله بن أحمد (5/125) قال: حدثنا محمد بن جعفر الوركاني، قال: أخبرنا شريك.
كلاهما - العوام، وشريك - عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صُرَد، فذكره.
- ورواه زر بن حبيش أيضا عن أبي بن كعب:
أخرجه أحمد (5/132) قال: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، وفي (5/132) قال: حدثنا أبو سعيد موسى بن هاشم، قال: حدثنا زائدة، والترمذي (2944) قال: حدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا الحسن بن موسى، قال: حدثنا شيبان.
كلاهما - زائدة، وشيبان - عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش فذكره.
- ورواه ابن عباس أيضا عن أبي بن كعب:
أخرجه النسائي (2/153) قال: أخبرني عمرو بن منصور، قال: حدثنا أبو جعفر بن نفيل، قال: قرأت على معقل بن عبيد الله عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فذكره.
- ورواه أنس أيضا عن أبي بن كعب:
أخرجه أحمد (5/1114، 122) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد بن حميد (164) قال: أخبرنا يزيد بن هارون، وعبد الله بن أحمد (5/122) قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدثنا بشر بن المفضل، وفي (5/122) قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا المعتمر، والنسائي (2/154) قال: أخبرني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى، وفي فضائل القرآن (11) قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا يزيد بن هارون.
أربعتهم - يحيى، ويزيد، وبشر، ومعتمر - عن حميد الطويل عن أنس فذكره.

الصفحة 479