كتاب جامع الأصول (اسم الجزء: 4)

2657 - (خ م د س) أبو هريرة - رضي الله عنه -: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِن صَاحِب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يُؤدي منها حَقَّها إِلا إذا كان يومُ القِيامة صُفِّحَت له صفائحُ من نارٍ، فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فيُكْوى بها جَنْبُهُ وجَبينُه وظَهرهُ، كلما رُدَّتْ (¬1) أُعِيدَت له، في يومٍ كان مقدارُهُ خمسين ألف سنة، حتى يُقضَى بين العباد، فيَرى سَبيلَهُ (¬2) : إِمَّا إِلى الجنَّةِ، وإِمَّا إِلى النار» ، قيل: يا رسول الله، فالإِبلُ؟ قال: «ولا صاحبُ إبلٍ لا يُؤدِّي منها حقَّها - ومن حقِّها حَلَبُها يوم وِرْدِها (¬3) - إلا إذا كان يومُ القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ (¬4) ، أَوفَرَ ما كانت، لا يَفْقِدُ منها فصيلاً واحداً، تَطَؤهُ -[555]- بِأخْفَافِها، وتَعَضُّهُ بأَفواهها، كلما مرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخْرَاها (¬5) ، في يوم كان مقداره خمسين أَلف سنة، حتى يُقْضى بين العباد، فيرى سبيلَه: إِما إلى الجنة، وإِمَّا إِلى النار» .
قيل: يا رسولَ الله، فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحبُ بقرٍ [ولا غنمٍ] لا يُؤدِّي حَقَّها، إِلا إذا كان يومُ القيامة بُطِحَ لها بقاعٍ قَرقَرٍ، لا يَفقِدُ منها شيئاً، ليس فيها عَقصاءُ ولا جَلْحَاءُ، ولا عَضْباءُ، تَنطَحُهُ بِقرُونِها، وتَطَؤهُ بأَظْلافها، كلما مرَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألفَ سنة، حتى يُقضَى بين العباد فَيَرَى سَبيلَهُ: إما إلى الجنة، وإما إلى النار (¬6) .
قيل: يا رسولَ الله، فالخيلُ؟ قال: الخيلُ ثلاثة: هي لرجلٍ وِزْرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، ولرجل أَجرٌ - وفي رواية: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رَجلٍ وِزْر - فأما الذي له أجر: فرجلٌ ربطها في سبيل الله - زاد في رواية: لأهل الإسلام - فأطال لها في مَرجٍ أو رَوْضَةٍ (¬7) ، فما -[556]- أصابت في طِيْلِها ذلك من المَرج والرَّوْضَةِ كانت له حسناتٍ، ولو أَنه انْقَطَع طِيْلُها، فاستنَّتْ شَرَفاً أو شَرَفَين: كانت له آثارها وأرواثها حسناتٍ له، ولو أنها مَرَّتْ بنهرٍ، فَشَرِبتْ منه ولم يُرِد أن يسقيَها، كان ذلك حسناتٍ له، فهي لذلك الرجل أجر. ورجلٌ ربطها تَغَنِّياً وتَعَفُّفاً، ثم لم يَنسَ حقَّ الله في رِقابها ولا ظُهورها، فهي لذلك الرجل سِتْرٌ. ورجلٌ ربطها فخراً ورياء ونِواء لأهل الإسلام - وفي رواية: على أَهل الإِسلام - فهي على ذلك وِزْر. وسئل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم- عن الحُمُر؟ فقال: ما أُنْزِلَ عليَّ فيها شيءٌ إِلا هذه الآيةُ الجامعةُ الفَاذَّةُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] .
وفي رواية: «فما أَكلت من ذلك المرجِ أَو الرَّوضة من شيءٍ إِلا كُتِبَ له عَددُ ما أكلت حسنات، وكُتب له عددُ أَرواثِهَا وأبوالها حسنات، ولا تَقطَعُ طِوَلَها، واستَنَّت شَرَفاً أو شَرَفَينِ إلا كَتبَ الله له عددَ آثارها حسناتٍ، ولا مرَّ بها صاحبُها على نهرٍ فشربت منه، ولا يُريد أن يَسقِيها إِلا كتب الله له عدد ما شرِبتْ حسنات ... وذكر نحوه» . هذه رواية مسلم. وأخرج البخاري والموطأ منها ذكر الخيل والحُمرِ، ولم يذكر الفصلَ الأول.
وأخرج البخاري أيضاً: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم-: «تَأتي الإبلُ على صاحبها على -[557]- خير ما كَانت - إذا لم يُعْطِ فيها حقَّها - تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت - إذا لم يعطِ فيها حقها - تطؤه بأظلافها، وتَنْطحهُ بقرونها. قال: ومن حقِّها أن تُحلَب على الماء، قال: ولا يأْتي أحدكم يوم القيامة بشاةٍ يحملها على رقبتهِ لها يُعارٌ (¬8) ، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أمْلِكُ لك شيئاً، قد بلَّغْتُ، ولا يأتي [أحدُكم] ببعير يحمله على رقبته له رُغاء، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أَملك لك شيئاً، قد بلَّغتُ» .
وفي أخرى للبخاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «مَن آتاهُ اللهُ مالاً، فلم يُؤدِّ زَكَاتَهُ: مُثِّلَ له [ماله] شُجَاعاً أقْرَعَ، له زَبيبتَان، يُطَوِّقُهُ يوم القيامة، ثم يأخُذُ بِلهزِمَتَيْهِ - يعني: شِدْقَيهِ - ثم يقول: أَنا مالُك، أنا كنزكَ، ثم تلا: {ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُو شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَومَ القِيَامَةِ ولِلهِ مِيراثُ السَّمَاواتِ والأرضِ واللهُ بما تَعملُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180] » .
وفي أخرى لمسلم - في ذكر الفصلين جميعاً - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «ما مِن صاحب كَنزٍ لا يؤدِّي زكاتَه إِلا أُحمِيَ عليه في نار جهنم ... ثم ذكر -[558]- نحوه. وقال في ذِكر الغنم: «ليس فيها عَقْصَاءُ، ولا جَلْحَاءُ - قال سهيل بن أبي صالح: فلا أَدري أَذَكَرَ البَقَرَ، أم لا؟ قالوا: فالخيلُ يا رسولَ الله؟ قال: الخيلُ في نواصِيها الخيرُ - أَو قال: مَعقُودٌ في نواصيها - قال سهيل: أنا أشُك - الخيرُ إِلى يوم القيامة، الخيلُ ثلاثة فهي لرجل أجرٌ، ولرجل سِتْرٌ، ولرجل وِزرٌ - وذكر هذا الفصل إلى آخره بنحو ما تقدَّم، وفيه: - وأما الذي هي له سِتْرٌ: فالرجل يتَّخِذُها تَكَرُّماً وتَجَمُّلاً، ولا يَنْسَى حقَّ ظُهورِها وبطونها، في عُسْرِها ويُسرها، وأما الذي هي عليه وزرٌ: فالذي يتخذها أَشَراً وبطراً، وبَذَخاً ورِئَاءَ الناس فذلك الذي عليه وزرٌ ... ثم ذكره» .
وله في أخرى: أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا لم يُؤدِّ المرءُ حق اللهِ أَو الصدقةَ في الثَّلَّةِ (¬9) : بُطحَ لها ... وذكر الحديث بنحو ما قبله» .
وأَخرجه أبو داود قال: «ما مِن صاحب كَنْزٍ لا يُؤدِّي حقَّه إِلا جعله الله يوم القيامةِ يُحْمَى عليها في نار جهنم» ، وذكر نحو حديث مسلم في الذهب والفضة، ثم ذكر بعده الغنم بنحو حديثه، ثم ذكر بعده الإبل بنحو حديثه، إلى قوله: إلى النار، وانتهت روايته.
وقال في رواية أخرى نحوه، وزاد في قصة الإبل: قال لأبي هريرة: -[559]- فما حق الإبل؟ قال: تُعطي الكريمةَ، وتَمنَحُ الغَزيرَةَ، وتُفْقِرُ الظَّهْرَ، وتُطرِقُ الفَحْلَ، وتَسقي اللَّبَنَ» .
وزاد في رواية أخرى: «وإِعارَةُ دَلْوِها» .
وأخرج النسائي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّما رجلٍ كانت له إبلٌ لا يُعطي حقها في نَجْدتِهَا ورِسْلِها - قالوا: يا رسول الله ما نَجدتُها ورِسلُها؟ قال: في عُسرِها ويُسْرِها - فإنها تأتي يومَ القيامة كأَغَذِّ ما كانت وأَسْمَنِهِ وأَبْشَرِهِ، يُبطَحُ لها بِقاعٍ قَرْقَرٍ، فتطؤه بأخفافها، فإذا جاوزته أُخراها أُعيدت عليه أُولاها، في يومٍ كان مقدارهُ خمسين أَلفَ سنة حتى يُقضى بين الناس فَيرى سبيلَه، وأيُّما رجل كانت له بَقَرٌ لا يُعطي حقَّها في نَجْدتِها ورِسلها، فإِنها تأتي يوم القيامة كأَغذِّ ما كانت وأسْمَنِه وأبْشرِه يُبطح لها بقاع قَرقَرٍ، فَتنطَحُهُ بقرونها، وتطؤه كلُّ ذاتِ ظِلْفٍ بِظلِفها، [حتى] إِذا جاوزته أُخراها أعيدت عليه أُولاها، في يوم كان مقدارُهُ خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين الناس فيَرى سبيلَه، وأيُّمَا رجل كانت له غنم لا يُعطي حقَّها في نَجْدتها ورِسلها، فإِنها تأتي يوم القيامة كأَغَذِّ ما كانت وأَسمنِه وأبشرِه، ثم يبطح لها بقاع قَرْقَرٍ، فتطؤه كل ذاتِ ظِلف بظلفها، وتنطحه كلُّ ذات قَرن بقرنها، ليس فيها عَقْصَاءُ، ولا عَضْبَاءُ، إذا جاوزته -[560]- أُخراها أُعيدت عليه أُولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين الناس فيرى سبيله» .
وله في رواية أخرى، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «تأتي الإِبل على رَبِّها على خير ما كانت، إذا هي لم يُعطِ منها حَقَّها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على رَبِّها على خير ما كانت، إذا هي لم يعطِ فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، قال: ومن حقِّها أن تُحلَبَ على الماء، لا يأَتِيَنَّ أحدكم يوم القيامة ببعير يحمله على رَقَبته له رُغَاءٌ، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد بلَّغتُ، ألا لا يأتِيَنَّ أَحدكم يوم القيامة بشاةٍ يحملُها على رقبته لها يُعارٌ (¬10) ، فيقول: يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلَّغتُ، ويكون كنزُ أَحدهم يوم القيامة شجاعاً أقرعَ يَفِرُّ منه صاحبه، ويطلبه: أنا كَنْزُك، فلا يزال به حتى يُلْقِمَه إِصبعه» .
وأَخرج النسائي ذِكر الخيل مفرداً نحو البخاري، ومالك، وأخرج ذِكر الكنزِ والشجاعِ الأقرعِ، مثل البخاري مفرداً، وأخرج الموطأ أَيْضاً ذِكْر الكَنْزِ والشجاعِ الأقرعِ، مثل البخاري، إلا أنه لم يذكر الآية ولم يرفعه. -[561]-
وأخرج البخاري أيضاً طرفاً يسيراً منه، قال: إنه سمع رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يكون كَنْزُ أحدكم يوم القيامة شجاعاً أَقرعَ» . لم يزد على هذا (¬11) .
S (جبينه وجنبه وظهره) : إنما خص هذه الأعضاء بالذكر من بين سائر الأعضاء؛ لأن السائل متى تعرض للطلب من البخيل، أول ما يبدو منه من آثار الكراهية والمنع، أنه يُقَطِّب في وجهه، ويكلح ويجمع أساريره فيتجعد جبينه، ثم إن كرر الطلب ناء بجانبه عنه، ومال عن جهته، وتركه جانباً، فإن استمر الطلب ولاه ظهره، واستقبل جهة أخرى، وهي النهاية في الرد، والغاية في المنع الدال على كراهيته للعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البر والإحسان، وعادة البخلاء بالرفد والعطاء، فلذلك خص هذه الأعضاء بالكي.
(يوم وردها) : أي يوم ترد الماء، فيسقي من لبنها من حضره من المحتاجين إليه، وهذا على سبيل الندب والفضل، لا الوجوب. -[562]-
(بقاع قرقر) : القاع: [المكان] المستوي من الأرض، الواسع، والقرقر: الأملس.
(عقصاء) : العقصاء: الشاة الملتوية القرنين، وإنما ذكرها لأن العقصاء لا تؤلم بنطحها، كما يؤلم غير العقصاء.
(جلحاء) : الجلحاء: الشاة التي لا قرن لها.
(عضباء) : العضباء: الشاة المكسورة القرن.
(بأظلافها) : الظلف للشاة كالحافر للفرس.
(وزر) : الوزر: الثقل والإثم.
(طيلها) : الطيل والطول: الحبل.
(فاستنت) : الاستنان: الجري.
(شرفاً) : الشرف: الشوط والمدَى.
(تغنيّاً) : استغناء بها عن الطلب لما في أيدي الناس.
(في ظهورها) : أما حق ظهورها: فهو أن يحمل عليها منقطعاً، ويشهد له قوله في موضع آخر: «وأن يُفْقِر ظهرها» وأما حق «رقابها» فقيل: أراد به الإحسان إليها. وقيل: أراد به الحمل عليها، فعبر بالرقبة عن الذات. -[563]-
(نواء) : النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل مناوأة، أي: عاديته.
(الفاذة) : النادرة الواحدة، والفذ: الواحد.
(يُعار) : اليُعار: صوت الشاة، وقد يعرت الشاة تيعر يُعاراً بالضم.
(رُغاء) : الرغاء للإبل كاليُعار للشاء.
(شجاعاً أقرع) : الشجاع: الحية، والأقرع: صفته بطول العمر، ذلك أنه لطول عمره قد امَّرق شعرُ رأسه، فهو أخبث له وأشد شرّاً.
(زبيبتان) : الزبيبتان هما الزبدتان في الشدقين. يقال: تكلم فلان حتى زبب شدقاه، أي: خرج الزبد عليهما، ومنها الحية ذو الزبيبتين. وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه.
(بلهزمتيه) : اللهزمتان: عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين، ويقال: هما مُضيغتان عليتان تحتهما.
(أشَراً) : الأشر: البطر.
(بذخاً) : البذخ بفتح الذال: التطاول والفخر.
(الثَّلَّة) : [بفتح الثاء] الجماعة الكثيرة من الضأن، قال الجوهري: ولا يقال للمعزى الكثيرة: ثلة، ولكن حيلة - بفتح الحاء - فإذا -[564]- اجتمعت الضأن والمعزى وكثرتا، قيل لهما: ثَلَّة، والجمع ثِلل، مثل بَدْرة وبِدَر.
(تمنح الغزيرة) : المنحة: العطية، والغزيرة: الكثيرة اللبن والدر. والمنيحة: الناقة أو الشاة تعار لينتفع بلبنها وتعاد.
(وتُفْقِر الظهر) : إفقار الظهر: إعارته ليركب، والفَقار: خرزات الظهر.
(وتُطْرِق الفحل) : إطراق الفحل: إعارته للضِّراب، طرق الفحل الناقة: إذا ضربها.
(نجدتها) : النجدة: الشدة.
(ورِسلها) : والرِّسل - بالكسر - الهِينة والتأني. قال الجوهري: يقال: افعل كذا وكذا على رسلك - بالكسر - أي اتئد فيه، كما يقال: على هينتك. قال: ومنه الحديث «إلا من أعطى في نجدتها ورِسلها» يريد: الشدة والرخاء. يقول: يعطي وهي سمان حسان يشتد على مالكها إخراجها، فتلك نجدتها، ويعطي في «رسلها» وهي مهازيل مقاربة. وقال الأزهري نحوه، وهذا لفظه: المعنى: إلا من أعطى في إبله ما يشق عليه عطاؤه، فيكون نجدة عليه، أي: شدة، أو يعطي ما يهون عليه عطاؤه منها، فيعطي في رسلها وهي مهازيل -[565]- مقاربة. وقال: إلى ما يعطي مستهيناً به على رسله. قال الأزهري: وقال بعضهم: في رسلها: أي بطيب نفس منه. قال: والرسل في غير هذا: اللبن.
قلت: ويجوز أن يكون المعني بالشدة والرخاء غير هذا التقدير، فيريد بالشدة: القحط والجدب، وأنه إذا أخرج حقها في سنة الجدب والضيق كان ذلك شاقّاً، لأنه إجحاف به وتضييق على نفسه، ويريد بالرخاء: السعة والخصب، وحينئذ يسهل عليه إخراج حقها، لكثرة ما يبقى له، ويكون المراد بالرسل: اللبن، وإنما سماه يسيراً؛ لأن اللبن يكثر بسبب الخصب، ولذلك قيل: «يا رسول الله، وما نجدتها ورسلها؟» قال: عسرها ويسرها، فهذا الرجل يعطي حقها في حال الجدب والضيق، وهو المراد [بالعسر، وفي حال الخصب والسعة، وهو المراد] باليسر، والله أعلم.
(كأغذ ما كانت) : أغذ: أسرع، والإغذاذ: الإسراع في السير.
(وأبشره) : البشارة: الحسن والجمال، ورجل بشير، أي: جميل، وامرأة بشيرة [أي: جميلة] ، وفلان أبشر من فلان، وقد ذكرنا أن قوله: «كأغذ ما كانت» من الإغذاذ، ورأيت الخطابي قد ذكر الحديث قال: فتأتي كأكثر ما كانت وأعده وأبشره، ولم يذكر لها غريباً ولا شرحاً، فلو كانت من الإغذاذ لشرحها كعادته، وتركُ شرحها يوهم أنها بالعين بالمهملة من العدد، أي: أكثر عدداً، فلذلك لم يشرحها، والله أعلم.
¬__________
(¬1) الذي في مسلم " كلما بردت " قال النووي في " شرح مسلم ": هكذا هو في بعض النسخ " بردت " بالباء، وفي بعضها " ردت " بحذف الباء وبضم الراء، وذكر القاضي الروايتين، وقال: الأولى هي الصواب، قال: والثانية رواية الجمهور.
(¬2) قال النووي في " شرح مسلم ": ضبطناه بضم ياء " يرى " وفتحها، وبرفع لام " سبيله " ونصبها اهـ.
(¬3) قال النووي في " شرح مسلم ": " حلبها " بفتح اللام على اللغة المشهورة، وحكي إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس. اهـ.
(¬4) قال النووي في " شرح مسلم ": " بطح " قال جماعة: معناه: ألقي على وجهه، قال القاضي: قد جاء في رواية البخاري " تخبط وجهه بأخفافها " قال: وهذا يقتضي: أنه ليس من شرط البطح كونه على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد، فقد يكون على وجهه، وقد يكون على ظهره، منهم سميت بطحاء مكة لانبساطها.
(¬5) قال النووي في " شرح مسلم ": هكذا هو في جميع الأصول في هذا الموضع، قال القاضي عياض: قالوا: هو تغيير وتصحيف، وصوابه: ما جاء بعده في الحديث الآخر من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وما جاء في حديث المعرور بن سويد عن أبي ذر " كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها " وبهذا ينتظم الكلام.
(¬6) قال النووي في " شرح مسلم ": فيه دليل على وجوب الزكاة في البقر، وهذا أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر.
(¬7) " مرج " بفتح الميم وسكون الراء - أي: مرعى، وفي " النهاية ": هو الأرض الواسعة ذات النبات الكثير، تمرج فيها الدواب، أي: تسرح.
" روضة " عطف تفسير، أو الروضة أخص من المرعى، وفي نسخة المصابيح بلفظ " أو " قال ابن الملك: شك الراوي.
(¬8) في الأصل: ثغار، وهو تصحيف، وما أثبتناه موافق لرواية البخاري، قال الحافظ في " الفتح ": وقوله في هذه الرواية " لها يعار " بتحتانية مضمومة ثم مهملة: صوت المعز، وفي رواية المستملي والكشميهني هنا " ثغاء " بضم المثلثة ثم معجمة بغير راء، ورجحه ابن التين، وهو صياح الغنم، وحكى ابن التين عن القزاز أنه رواه " تعار " بمثناة ومهملة، وليس بشيء.
(¬9) كذا الأصل: الثلة، وفي مسلم المطبوع: إبله، وقد ذكر المصنف رحمه الله معنى الثلة، في غريب الحديث.
(¬10) في الأصل: ثغار: وهو تصحيف، والتصحيح من سنن النسائي المطبوع.
(¬11) رواه البخاري 3 / 212 في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وفي تفسير سورة آل عمران، باب {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم} ، وفي تفسير سورة براءة، باب {والذين يكنزون الذهب والفضة} ، وفي الحيل، باب في الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، ومسلم رقم (987) في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، والموطأ 2 / 444 في الجهاد، باب الترغيب في الجهاد، وأبو داود رقم (1658) و (1659) و (1660) في الزكاة، باب في حقوق المال، والنسائي 5 / 12 - 14 في الزكاة، باب التغليظ في حبس الصدقة، وباب مانع زكاة الإبل.
M1 - أخرجه مالك «الموطأ» (275) . والبخاري (3/148) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف. قال: أخبرنا مالك بن أنس. وفي (4/35و252) قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك. وفي (6/217) و (9/134) قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الله. قال: حدثنا مالك. وفي (6/218) قال: حدثنا يحيى بن سليمان. قال: حدثني ابن وهب. قال: أخبرني مالك. ومسلم (3/70 و 71) قال: حدثني سويد بن سعيد. قال: حدثنا حفص، يعني ابن ميسرة الصنعاني. (ح) قال: وحدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي. قال: أخبرنا عبد الله بن وهب. قال: حدثني هشام بن سعد. وأبو داود (1659) قال: حدثنا جعفر بن مسافر. قال: حدثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد. والنسائي (6/216) قال: أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن القاسم. قال: حدثني مالك. ثلاثتهم - مالك، وحفص بن ميسرة، وهشام بن سعد - عن زيد بن أسلم.
2 - وأخرجه أحمد (2/101) و (383) قال: حدثنا عفان. قال: حدثنا حماد بن سلمة. وفي (2/262) قال: حدثنا أبو كامل. قال: حدثنا حماد. وفي (2/276) قال: حدثنا عبد الرزاق. قال: حدثنا معمر. وفي (2/383) قال: حدثنا عفان. قال: حدثنا وهيب بن خالد البصري. وفي (2/423) قال حدثنا أبو معاوية. ومسلم (3/71) و (73) قال: حدثني محمد بن عبد الملك الأموي قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار. (ح) وحدثناه قتيبة بن سعد. قال: حدثنا عبد العزيز - يعني الدراوردي -. (ح) وحدثنيه محمد بن عبد الله بن بزيع. قال: حدثنا يزيد بن زريع. قال: حدثنا روح بن القاسم. وأبو داود (1658) قال: حدثنا موسى بن إسماعيل. قال: حدثنا حماد. وابن ماجة (2788) قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب. قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار. والترمذي (1636) قال: حدثنا قتيبة. قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد. والنسائي (6/215) قال: أخبرنا عمرو بن يحيى بن الحارث. قال: حدثنا محبوب بن موسى. قال: حدثنا أبو إسحاق - يعني الفزاري -. وابن خزيمة (2252) قال: حدثنا أحمد بن عبدة. قال: أخبرنا عبد العزيز - يعني ابن محمد الدراوردي -. وفي (2253 و 2291) قال: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني. قال: حدثنا يزيد بن زريع. قال: حدثنا روح بن القاسم.
ثمانيتهم - حماد بن سلمة، ومعمر، ووهيب بن خالد، وأبو معاوية، وعبد العزيز بن المختار، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وروح بن القاسم، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري - عن سهيل بن أبي صالح.
3 - وأخرجه مسلم (3/73) قال: حدثني هارون بن سعيد الأيلي. قال: حدثنا ابن وهب. قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكيرا حدثه.
ثلاثتهم: - زيد بن أسلم، وسهيل بن أبي صالح، وبكير بن عبد الله بن الأشج - عن أبي صالح، فذكره.
- وعن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع، يفر منه صاحبه وهو يطلبه حتى يلقمه أصابعه» .
أخرجه أحمد (2/530) قال: حدثنا علي بن حفص. قال: أخبرنا ورقاء.
والبخاري (6/82) قال: حدثنا الحكم بن نافع. قال: أخبرنا شعيب. والنسائي (5/23) . قال: أخبرنا عمران بن بكار. قال: حدثنا علي بن عياش. قال: حدثنا شعيب.
كلاهما - ورقاء، وشعيب - عن أبي الزناد، عن الأعرج، فذكره.
- وعن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، رضي الله عنه، يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت، إذا هو لم يعط فيها حقها، تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت، إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها....... الحديث.
أخرجه البخاري (2/132) قال: حدثنا الحكم بن نافع. والنسائي (5/23) قال: أخبرنا عمران بن بكار، قال: حدثنا علي بن عياش..
كلاهما - الحكم بن نافع أبو اليمان، وعلي بن عياش - عن شعيب، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، فذكره.
- وعن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع، يفر منه صاحبه فيطلبه ويقول أنا كنزك. قال: والله لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه» .
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مارب النعم لم يعط حقها تسلط عليه يوم القيامة تخبط وجهه بأخفافها» .
أخرجه أحمد (2/316) . والبخاري (9/30) قال: حدثني إسحاق.
كلاهما - أحمد، وإسحاق - عن عبد الرزاق بن همام، قال: حدثنا معمر، عن همام بن منبه، فذكره.
-وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مُثِّل له ماله شجاعا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه، يعني بشدقيه.......... الحديث.
أخرجه أحمد (2/279) قال: حدثنا عبد الرزاق. قال: حدثنا معمر، عن عاصم. وفي (2/355) قال: حدثنا حسن. قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه. وفي (2/379) . قال: حدثنا قتيبة. قال: حدثنا ليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن القعقاع. والبخاري (2/132) قال: حدثنا علي بن عبد الله. قال: حدثنا هاشم بن القاسم. قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه. وفي (6/49) قال: حدثني عبد الله بن منير، سمع أبا النضر. قال: حدثنا عبد الرحمن، هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه. والنسائي (5/39) قال: أخبرنا الفضل بن سهل. قال: حدثنا حسن بن موسى الأشيب. قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار المدني، عن أبيه. وفي الكبرى «تحفة الأشراف» (9/12751) عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر بن راشد، عن سهيل. وابن خزيمة (2254) قال: حدثنا الربيع بن سليمان. قال: حدثنا شعيب. قال: حدثنا الليث. (ح) قال: وحدثنا عيسى بن إبراهيم. قال: حدثنا ابن وهب. عن الليث بن سعيد، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم.
أربعتهم - عاصم، وعبد الله بن دينار، والقعقاع بن حكيم، وسهيل - عن أبي صالح، فذكره.
- وعن أبي عمر الغداني، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أيما رجل كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها. قالوا: يا رسول الله ما نجدتها ورسلها؟ قال: في عسرها ويسرها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذِّ ما كانت وأسمنه............ الحديث.
أخرجه أحمد (2/383) قال: حدثنا عفان. قال: حدثنا همام. وفي (2/489) قال: حدثنا محمد بن جعفر. قال: حدثنا سعيد. وفي (2/490) قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شعبة. وأبو داود (1660) قال: حدثنا الحسن بن علي. قال: حدثنا يزيد بن هارون. قال: أخبرنا شعبة. والنسائي (5/12) قال: أخبرنا إسماعيل بن مسعود. قال: حدثنا يزيد بن زريع. قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة. وابن خزيمة (2322) قال: حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي. قال: أخبرنا يزيد بن هارون. قال: أخبرنا شعبة.
ثلاثتهم - همام، وسعيد، وشعبة- عن قتادة، عن أبي عمر الغداني، فذكره.
- وعن خلاس، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها من نجدتها ورسلها، إلا جيء به يوم القيامة أوفر ما كانت، فيبطح لها بقاع قرقر تخبطه بقوائمها وتطوه عقافها، كلما تصرم آخرها رد أولها، حتى يُقضى بين الخلائق ثم يرى سبيله. وما من صاحب بقر لا يؤدي حقها من...... الحديث.
أخرجه أحمد (4902) قال: حدثنا محمد بن جعفر. وابن خزيمة (2321) قال: حدثنا أحمد بن عبد الله ابن علي بن منجوف. قال: حدثنا روح.
كلاهما - محمد بن جعفر، وروح - عن عوف، عن خلاس، فذكره.
وعن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من ترك كنزا، فإنه يمثل له يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه، له زبيبتان، فما زال يطلبه. يقول........» الحديث.
أخرجه أحمد (2/489) قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، فذكره.
- وعن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: تأتي الإبل التي لم تعط الحق منها، تطأ صاحبها بأخفافها. وتأتي البقر والغنم تطأ صاحبها بأظلافها، وتنطحه بقرونها..... الحديث.
أخرجه ابن ماجة (1786) قال: حدثنا مروان محمد بن عثمان العثماني. قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، فذكره.

الصفحة 554